كشفت شهادات لجنود من جيش الاحتلال خدموا في قطاع غزة خلال فترة وقف إطلاق النار عن وقوع عمليات قتل متكررة لمدنيين فلسطينيين قرب "الخط الأصفر" الذي رسمه جيش الاحتلال بشكل فضفاض ويغير ترسيمه بشكلٍ متكرر، مع وجود قواعد إطلاق نار غير واضحة وانعدام وقف إطلاق النار فعليًا، بحسب روايات نقلتها وكالة أسوشيتد برس.
وافتتح تقرير الوكالة الأميركية، بالقول: "شاهد جندي إسرائيلي، الجنود في وحدته يهتفون فرحًا ويتبادلون التهاني. فقد كانوا قد استهدفوا للتو مركبة تقل فلسطينيين كانت تسير بالقرب من الجزء الخاضع لسيطرة إسرائيل في قطاع غزة، ما أدى إلى قتل جميع من كانوا بداخلها".
وقال الجندي الاحتياطي إن مشاهد كهذه أصبحت شائعة بعد دخول وقف إطلاق نار في أكتوبر/تشرين الأول. وأضاف أنه خلال الأسابيع التي قضاها متمركزًا في غزة، رأى جنودًا يستمتعون بملاحقة من يعبرون — أو يقتربون من عبور — ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" الذي يقسم القطاع إلى مناطق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية وأخرى فلسطينية.
وقال الجندي لوكالة أسوشيتد برس: "كان الأمر أشبه بغابة. بعد وقف إطلاق النار، كانت التعليمات: إذا عبر أحدهم الخط، فأطلقوا النار عليه".
وقالت مجموعة من الجنود إن بعض القادة أبدوا التزامًا شكليًا بالاتفاق، بينما أعربوا سرًا عن رغبتهم في استمرار الحرب على غزة. وأشار أحد الجنود إلى أن القوات كانت أحيانًا بعيدة جدًا أو تتصرف بسرعة كبيرة بحيث لا تستطيع تحديد هوية من تطلق النار عليهم.
ووثّقت وكالة أسوشيتد برس إطلاق النار على مدنيين فلسطينيين، بينهم أطفال يلعبون، بالقرب من الخط الأصفر. وقال الجنود إنهم شعروا وكأن عمليات القتل لم تتوقف قط في ظل الاتفاق الهش. وقال أحد الجنود لوكالة أسوشيتد برس: "إن وصف ذلك بوقف إطلاق النار هو أمر مثير للسخرية".
وبحسب الشهادات الميدانية، كان الموقع الدقيق للخط الأصفر غامضًا، بل وغير مرئي أحيانًا. في بعض الأماكن، تم تمييزه بمربعات وبراميل صفراء؛ وفي أماكن أخرى، لم يتم الإشارة إليه على الإطلاق.
وبينما زعم الجيش الإسرائيلي أن معظم عمليات إطلاق النار كانت أثناء عبور الخط الأصفر وكانت تشكل "تهديدًا للقوات". لكن جنودًا تحدثوا لوكالة أسوشيتد برس ومنظمة "كسر الصمت" الإسرائيلية، يقولون إن الجنود كانوا في بعض الأحيان بعيدين جدًا، ويتصرفون بسرعة كبيرة.
وقال أحد الجنود، إن الجنود الذين يطلقون النار أو يأمرون بشن غارات جوية بطائرات مسيرة لا يعرفون دائمًا من يعبر الخط. وأضاف أنه على الرغم من وجوب تقديم الجنود للإحداثيات والحصول على موافقة رؤسائهم قبل شن أي غارة، إلا أنه من الصعب تقديم معلومات دقيقة نظرًا لحركة الأفراد. ووصف كيف يُبلغ الجنود عن الإحداثيات بناءً على حدسهم أو آخر مكان رأوا فيه شخصًا ما.
وتقول منظمة "كسر الصمت" إن قواعد الاشتباك العامة متساهلة للغاية، خاصة بالنسبة لأولئك الذين يعبرون الخط، حيث أن الأوامر في العديد من المناطق هي "أطلق النار بقصد القتل". وقال المدير التنفيذي نداف وايمان، وهو جندي سابق، إن الأوامر والسياسات الصادرة عن كبار قادة الجيش "خلقت واقعًا يُقتل فيه عدد لا يحصى من المدنيين، ولا يزالون يُقتلون، لمجرد عبورهم خطوطًا غير مرئية".
في إحدى الروايات المقدمة إلى "كسر الصمت"، التي اطلعت عليها وكالة أسوشيتد برس، يصف جندي تعليمات للقوات بشأن أي شخص يعبر الخط الأصفر: "اقضوا عليه مهما كان الأمر".
وقال جندي آخر كان في غزة لأسابيع بعد وقف إطلاق النار إن رسالة القادة كانت تتمثل في التمسك بالخط مهما كلف الأمر. وقال: "كان هناك شعور عام بأن حياة الإنسان ليست ذات قيمة". وقال الجندي إنه عندما تعلق الأمر بترسيم الخط الأصفر، أخبره رؤساؤه أن ذلك "عمل شاق للغاية"، وليس من اختصاصهم، وأن الفلسطينيين يجب أن يعرفوا مكانه.
وقال هو والجنود الآخرون الذين تحدثوا إلى وكالة أسوشيتد برس إن القوات فهمت بشكل عام، بناءً على تصرفات القادة وزملائهم الجنود، أن "إسرائيل موجودة في غزة على المدى الطويل".
هذا الأسبوع، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن إسرائيل تسيطر على 60% من غزة وأن الخطوة التالية هي الانتقال إلى السيطرة على 70%.
قال الجنود لوكالة أسوشيتد برس إن وقف إطلاق النار على الأرض أمر بعيد المنال. وقال أحدهم عن كلمة "وقف إطلاق النار": "علينا التوقف عن استخدام هذا المصطلح. إنه لا يخدم الأشخاص الذين يريدون وقف الحرب".
وفي وقت سابق، أكد زاهر الوحيدي مدير وحدة المعلومات في وزارة الصحة بغزة، ارتفاع أعداد الشهداء بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة مقارنة بالأسابيع الأولى التي أعقبت اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، مشيرًا إلى تصاعد تدريجي ومتسارع في وتيرة الاستهدافات الإسرائيلية، خاصة منذ مطلع العام الجاري.
يوضح الوحيدي لـ"الترا فلسطين" أن عدد الشهداء منذ بدء سريان الاتفاق بلغ نحو 929 شهيدًا، بينهم 247 طفلًا و191 امرأة، ما يعكس استمرار ارتقاء أعداد كبيرة من المدنيين.
ويضيف أن شهر نيسان/ أبريل الماضي كان الأكثر دموية منذ بدء الهدنة بتسجيل نحو 117 شهيدًا، مقارنة بـ79 شهيدًا في آذار/ مارس، فيما تتواصل خلال أيار/ مايو الحالي وتيرة القصف وارتفاع أعداد الضحايا بشكل متسارع.
ويبيّن المسؤول في وزارة الصحة أن هذا التصاعد يعكس، سياسة تصعيد تدريجية تهدف لفرض واقع إنساني وأمني أكثر قسوة على سكان القطاع، في ظل غياب ضغط دولي فعّال، مؤكدًا أن القطاع الصحي يعيش أوضاعًا كارثية مع استمرار الحصار ومنع إدخال الأدوية والمستلزمات.
