في مشهد ضبابي لم تشهده المنطقة منذ عقود، تبرز ملامح استراتيجية خلط الأوراق التي تمارسها أطراف إقليمية ودولية بهدف دفع الشرق الأوسط نحو انفجار شامل. من سواحل قبرص إلى حقول النفط في الخليج، وصولاً إلى تخوم كردستان وتركيا، تتوالى الهجمات مجهولة الهوية والتقارير الاستخباراتية المتناقضة لترسم مساراً إجبارياً نحو الحرب.
الهجوم الأخير بمسيرة على قاعدة "أكروتيري" البريطانية في قبرص، يمثل ذروة ألعاب الخداع، فبينما تحاول تقارير إسرائيلية نسب الهجوم لحزب الله أو إيران، سارعت وزارة الدفاع البريطانية للتأكيد بأن المسيرة لم تنطلق من إيران. هذا التضارب يشير إلى محاولة واضحة لجر بريطانيا للمواجهة بعد رفضها السابق استخدام قواعدها لضرب طهران، واستهداف قبرص ،العضو في الاتحاد الأوروبي، يهدف لإحراج أوروبا وإجبار حلف الناتو على تفعيل مواثيق الدفاع المشترك.
في الوقت الذي تسعى فيه دول الخليج للتهدئة، يأتي القصف الغامض لمصفاة رأس تنورة السعودية ليعيد أجواء التوتر. ورغم نفي إيران إطلاق أي مسيرة، تصر الماكينة الإعلامية الغربية والإسرائيلية على تأجيج السردية الطائفية، حيث تبرز تصريحات السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام كأداة تحريضية لتصوير الصراع كحرب سنة وشيعة، والهدف هنا مزدوج ألا وهو ضرب الاقتصاد النفطي، ومنع أي استقرار إقليمي قد يهمش الدور التدخلي الخارجي.
وجاءت تسريبات الصحفي باراك رافيد حول تحركات برية كردية مدعومة استخباراتياً للهجوم على إيران، لتكتمل ملامح خطة الفوضى الخلاقة. هذا التحريك للملف الكردي يتزامن مع تقارير إسرائيلية مفبركة"د حول قصف إيراني لقواعد أمريكية في تركيا، في محاولة يائسة لاستفزاز أنقرة (عضو الناتو) وفتح جبهة مواجهة من الشمال تشتت القوة الإيرانية وتغرق المنطقة في نزاعات حدودية لا تنتهي.
باعتقادي، نحن أمام هندسة فوضى متعمدة. إن ما يحدث ليس مجرد صدف عسكرية، بل هو تطبيق عملي لتصريحات نتنياهو بأن الهدف هو تغيير الشرق الأوسط بالكامل. تعتمد هذه الاستراتيجية على عقيدة فرق تسد ونشر الفتن الطائفية والعرقية، لضمان استنزاف الجميع وبقاء إسرائيل القوة الوحيدة المهيمنة فوق ركام منطقة ممزقة. الوعي بهذه الألعاب هو الخط الدفاعي الأول لمنع الانزلاق إلى حرب وقودها شعوب المنطقة ومكاسبها بعيدة كل البعد عن مصالحها.
