ما يحدث اليوم في الساحة الفلسطينية ليس مجرد صراع كلامي أو سياسي، بل هو انعكاس لتحولات عميقة فرضتها أحداث أكتوبر وما تلاها من حرب مدمرة وحصار سياسي وأمني شديد، جعل كل الحسابات السابقة عرضة لإعادة النظر.
تصريح عزام الأحمد، أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية وقيادي بارز في حركة فتح، حين أكد أن حركة حماس ليست تنظيماً إرهابياً ورفض نزع سلاحها بقرار خارجي، لا يمكن فهمه بمعزل عن هذا السياق المعقد، فهو لا يشكل تحدياً مباشراً للولايات المتحدة بقدر ما يشير إلى نافذة سياسية فُتحت لإدارة مرحلة التحول قبل أن تضيع، وهو يوضح أن هناك مجالاً للتعامل مع حماس ضمن الواقع السياسي الجديد دون تصعيد يضر بالجهود الدولية لإعادة الاستقرار.
حماس، بعد أن دفعت ببرنامج المقاومة المسلحة إلى أقصى حدوده، تجد نفسها اليوم أمام مرحلة تحول حقيقية تشبه ما مرت به حركة فتح حين انتقلت من الكفاح المسلح إلى العمل السياسي ضمن إطار وطني جامع ممثل بمنظمة التحرير الفلسطينية.
لقد استنفدت ذروة برنامجها العسكري، وأصبح الطريق أمامها محدوداً بين استمرار الانعزال والمواجهة أو الانخراط في التحول السياسي الذي يتيح لها المشاركة ضمن النظام الفلسطيني، وهذا التحول لا يعني فقدان هويتها بالكامل، بل إعادة ضبط أدوارها بما يتماشى مع المرحلة الجديدة. إدارة هذا التغيير بعقلانية قد تحول التهديد المحتمل من حماس إلى عنصر ضبط واستقرار، بينما تجاهله قد يعقد أي جهود لإعادة ترتيب المشهد الفلسطيني.
في الوقت نفسه، تتعرض السلطة الوطنية الفلسطينية والمنظمة لضغوط كبيرة لإجراء إصلاحات حقيقية، لكنها تظهر براغماتية واضحة، مدركة أن أي خطوة مستقبلية في غزة تتطلب التوازن مع المصالح الأمريكية والدولية للحفاظ على الاستقرار.
استبعاد حماس تماماً أو محاولة فرض هيمنة كاملة على غزة قد يؤدي إلى فراغ أمني واجتماعي، فهي ليست مجرد فصيل مسلح، بل قاعدة شعبية واسعة تمتد داخل القطاع وقادرة على التأثير في استقرار أي ترتيبات سياسية أو إعادة إعمار. تجاهل هذا الواقع يجعل أي خطة أمريكية أو دولية مجرد أوهام معرضة للفشل، ولذلك يبدو أن هناك تسامحاً عملياً مع بعض العناصر الإدارية والشرطية التي خدمت حماس، شريطة أن تعمل تحت إشراف السلطة الوطنية وتحت رقابة دولية لضمان عدم إعادة إنتاج معادلة مزدوجة للسلطة.
الأمر لا يقتصر على إدارة غزة فقط، بل يمتد إلى الهيكل الوطني الفلسطيني نفسه. الهياكل القائمة، بما فيها منظمة التحرير، قد لا تعكس بالكامل الواقع المعقد اليوم، وقد يكون التفكير في ابتكار جسم فلسطيني جامع جديد بمسما وبرنامج سياسي يواكب المرحلة ضرورة لاستيعاب جميع القوى الفاعلة على الأرض، وهذا لا يعني تفكيك المنظمة بالكامل أو فقدان شرعيتها الدولية، بل إعادة تعريفها وتوسيعها لتضم الجميع ضمن برنامج سياسي واضح مع الحفاظ على الاعتراف الدولي. يمكن دراسة التجربة الإسرائيلية، حيث أظهرت الحركة الإسلامية في اسرائيل وأحزاب مثل القائمة العربية الموحدة أن تياراً إسلامياً قادر على ممارسة السياسة ضمن النظام الرسمي دون فقدان هويته، كنموذج قد يُستفاد منه في السياق الفلسطيني، مع مراعاة العلاقة المعقدة بين حماس وفتح.
التحول الذي يشهده الواقع الفلسطيني ليس مجرد تعديل تكتيكي، بل عملية إعادة تعريف شاملة تشمل تحديث ميثاق المنظمة وتجديد قياداتها وفتح الباب أمام القوى التي تقبل العمل ضمن برنامج وطني جامع، بما في ذلك حماس إذا قبلت التحول السياسي اللازم. إدارة هذا الانتقال بعقلانية ستسمح بتحويل التحدي من حماس إلى عنصر استقرار، بينما تجاهله أو المضي في تفكيك الإطار الحالي قد يخلق شرخاً أكبر ويعقد أي جهود دولية أو أمريكية لإعادة ترتيب المشهد.
المرحلة الحالية تمثل لحظة تاريخية قد تعيد رسم المشهد الفلسطيني، إذ يلتقي فيها الضغط الدولي والإقليمي مع الضرورة الداخلية للتغيير، وتبرز الحاجة إلى إدارة انتقال منظم يحافظ على الشرعية ويستوعب التحولات الواقعية، ويتيح استقراراً طويل الأمد، مع إدراك أن أي نجاح يعتمد على قدرة جميع الأطراف على التكيف مع واقع جديد، حيث يصبح دمج القوى وإصلاح الهياكل الوطنية والتعامل مع حماس كقوة شعبية وسياسية جزءاً من استراتيجيات البقاء والسيطرة على المستقبل الفلسطيني. إعادة تعريف الإطار الوطني وصياغته بما يتوافق مع الواقع الجديد دون فقدان المكتسبات التاريخية للشرعية الدولية يمثل التحدي الأساسي الذي يواجه الفلسطينيين اليوم.
*د. إبراهيم نعيرات / كاتب رأي
