بقلم/ صادق الشافعي
47 عاما مرت على يوم اتخاذ المجتمع الدولي قراره باعتبار 29/11 من كل عام يوما للتضامن مع الشعب الفلسطيني وتأييد نضاله لنيل حقوقه الوطنية المشروعة، وإقامة كيانه السياسي المستقل.
اختيار تاريخ 29/11 لم يكن صدفة ولا اعتباطا بل كان متعمدا ليذكر بقرار مجلس الأمن في 29/11/1947 ويبني عليه، وهو القرار القاضي بتقسيم فلسطين وقيام كيانين على ارضها: أحدهما الكيان الفلسطيني.
بين زمن اتخاذ قرار التضامن المذكور العام 1974 وبين الزمن الحالي فوارق كبيرة في كل الأساسيات السياسية والنضالية وعلى كل المستويات وتقترب من التناقض التام:
- المناخ الدولي العام كان يسمح بالمحصلة بأخذ القرار المذكور وبأغلبية مريحة.
وسمح في العام الذي تلاه بأخذ قرار آخر باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والذي لم يكن ممكنا إلغاؤه إلا بعد تبدل توازنات القوى في العام 1991 بما يسمح بالإلغاء، أي بعد 16 عاما من اتخاذه.
مكّن من اتخاذ مثل هذين القرارين وغيرهما من نفس النوعية أو قريبا، منها الخلفية والتوازنات السياسية الدولية السائدة آنذاك توفر توازن دولي يسمح بذلك: - وجود حركة تحرر وطني عالمية وناشطة، واستمرار لوجود منظمات دولية مناهضة للإمبريالية بشكل عام وان بشكل اضعف (حركة عدم الانحياز ومنظمة دول العالم الثالث وأمثالهما). إضافة إلى اتحادات شعبية ديمقراطية دولية ناشطة، مناهضة للإمبريالية العالمية وقوى الاستعمار ومؤيدة لنضالات الشعوب وقواها المنظمة بشكل عام.
هذا المناخ الدولي تراجع بشكل عام وبالذات بمحتواه المذكور.
وخلا الوضع الدولي في السنوات الأخيرة من أي مبادرة دولية جدية للحل، وأصبحت مواقف معظم دول العالم تعبر عن نفسها في بيانات ومواقف عامة فضفاضة خالية من الموقف الواضح والحازم والمؤثر وخالية من المبادرات، ومن المشاريع والمقترحات الواقعية والجادة.
- تراجع في المناخ العربي بشكل عام الرسمي - والشعبي إلى حد ما ـ متأثرا بتغير في الأولويات لدى عدد من الدول العربية لظروف وأوضاع مختلفة وخاصة بكل دولة سواء أكانت على المستوى الداخلي لهذه الدولة أم تلك، أم على مستوى العلاقات البينية العربية أم على مستوى المحيط الإقليمي أو الخارجي.
- من العوامل المهمة في إقدام الأمم المتحدة على اتخاذ قرارها في منتصف سبعينيات القرن الماضي هو وهج الثورة الفلسطينية في ذلك الزمن وبرنامجها النضالي ووحدة مكوناتها وقوة فعلها وحضورها وشبكة علاقاتها وتحالفاتها الواسعة، والالتفاف والاحتضان الجماهيري الواسع لها.
أما، الآن، فيبقى الحال الفلسطيني السياسي بمؤسساته السياسية وتنظيماته في السنوات الأخيرة، هو الأكثر ارتباكا وتشتتا في المواقف، وتراجعا في الفعل وفي الحركة السياسية، وعلى كل المستويات تقريبا.
ويبقى هذا الحال، غارقا ومستنفذا ومستغرقا بدرجة كبيرة في خلافاته الداخلية وفي تنازع الصلاحيات والمسؤوليات بين مكوناته، وفي صراع داخلي ضمني (أصبح شبه مكشوف) على السلطة وعلى برنامجها.
والاهم، استمرار هذا الحال دون أن يبدو في الأفق القريب أي محاولات أو مبادرات جادة للخروج من هذا الحال، ودون أن يبدو أي استعداد من معظم الأطراف - الأساسية منها بالذات - لتقديم التنازلات الضرورية واللازمة لتحقيق هذا الخروج.
في مقابل كل ذلك، وبالاستفادة من كل ما تقدم، تعيش دولة الاحتلال وعموم قواها السياسية بالإضافة إلى مواطنيها حالة من الاسترخاء والراحة، وحالة من العناد والتوسع في تنفيذ سياساتها ومشاريعها العدوانية، والتوسعية الاستيطانية منها بشكل خاص، بل إنها تصعّد من شراستها في الهجوم على المقدسات والمدن والمواقع المقدسة (القدس - الخليل) والأماكن المقدسة فيها بشكل خاص.
وفي مقابل كل ما تقدم، يبقى الطرف الوحيد الذي لم تتغير مواقفه وقناعاته ولم تضعف أو تهتز إرادته بأي درجة، ولم يضعف بأي قدر أيضا، تمسكه الأبدي الصلب والعنيد بأهدافه الوطنية وفي استمرار وتواصل نضالاته المتنوعة بكل زخمها لتحرير وطنه من الاحتلال وفي بناء دولته المستقلة على ارض وطنه، هو الشعب الفلسطيني موحدا في جميع أماكن تواجده.
