بقلم/ محمد ياغي
نشر الباحث الفلسطيني وليد حباس دراسة في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار بعنوان «بينيت وتقليص الصراع مع الفلسطينيين».
الدراسة جديرة بالاهتمام لأنها توضح أولاً الخلفية النظرية لمفهوم نفتالي بينيت، رئيس وزراء إسرائيل، عن «تقليص الصراع مع الفلسطينيين» وهو مفهوم يعيده الباحث للمؤرخ الإسرائيلي ميخا غودمان، ولأنها ثانياً تفصل الخطوات العملية التي يمكن لـ «بينيت» القيام بها في هذا الاتجاه.
ملخص الدراسة يكمن فيما ينقله الباحث عن غودمان وهو أن الضفة الغربية قد تحولت الى «مصيدة» بالنسبة لإسرائيل بيمينها ويسارها. فهي لا تستطيع الانسحاب منها، كما يريد «اليسار» الإسرائيلي (بحسب غودمان) لأسباب أمنية لأن ذلك يعني تحول تل أبيب الى سديروت (تحت نار المقاومة). وهي لا تستطيع الاحتفاظ بها كما يريد «اليمين» الإسرائيلي لأن ذلك يحول اليهود بين البحر والنهر الى أقلية سكانية.
إدارة الصراع في هذه «المصيدة»، يقول الباحث نقلاً عن غودمان، غير ممكنة لأن الصراع غير قابل للحل ولا يمكن إدارته الى ما لا نهاية. النتيجة التي يخلص اليها غودمان أن الحل الأمثل يكمن في «تقليص الصراع» بما يُمَكن الفلسطينيين من العيش في مناطق ألف وباء مضافاً اليهماً ما نسبته ٢-٥٪ من مناطق جيم بآليات جديدة تعطيهم الشعور كما لو أنهم فعلاً يعيشون في دولة مستقلة وبدون احتلال.
برأي غودمان، كما يقول الباحث، هذا قابل للتنفيذ وذلك عن طريق ربط هذه المناطق بشبكات طرق وأنفاق وجسور ووضعها جميعها تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، بحيث يمكن لأي فلسطيني التنقل بين جميع المدن والقرى في الضفة دون أن يشاهد جندياً إسرائيلياً واحداً.
يضاف لذلك السماح للفلسطينيين بالتوسع العمراني في القليل من مناطق جيم، وإعطائهم استقلالاً اقتصادياً كاملاً كما يريدون، وحتى مساعدتهم في الحصول على اعتراف الأمم المتحدة «بدولتهم» ولكن دون الإقرار أو الاعتراف بحدودها.
«تقليص الصراع» يقول الباحث، هو مشروع مُقترح من غودمان ليكون برنامجاً سياسياً لأحزاب الوسط في إسرائيل التي لا تمتلك برنامجاً خاصاً بها بشأن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي على عكس اليسار الصهيوني، الراغب «بالانسحاب» من الأراضي الفلسطينية مقابل علاقات طبيعية كاملة مع الدول العربية، وعلى عكس اليمين الصهيوني الذي يريد الاحتفاظ بالضفة لأسباب عقائدية.
غودمان بالطبع يكذب في العديد من القضايا، منها مثلاً أن مفهوم «الانسحاب» لدى اليسار الصهيوني لم يشتمل يوماً ما على انسحاب كامل من الأراضي المحتلة منذ العام ١٩٦٧ وانما انسحاب جزئي يسمح لإسرائيل بالاحتفاظ بالقدس العربية تحت سيادتها وبأجزاء من الضفة الغربية بما فيها الكتل الاستيطانية ومنطقة غور الاردن (مفاوضات كامب ديفيد التي جرت مع اليسار الصهيوني العام ٢٠٠٠ شاهد على ذلك).
يضاف لذلك أن أحزاب الوسط في إسرائيل لا تختلف عن أحزاب اليمين. جميع أحزاب الوسط اليوم أصلها من حزب الليكود اليميني. الأدق أن يقال أن هنالك أحزاباً يمينية علمانية وأحزاباً يمينية دينية، بدلاً من الوسط واليمين.
أما إن كان المقصود بأن أحزاب الوسط هي «وسط» لأن «اليسار» يريد الانسحاب بينما «اليمين» يريد الضم، وهي تقع بين هذا وذاك، فهذا كذب صريح.
اليسار الصهيوني لم يرغب يوماً بالانسحاب الكامل من الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام ١٩٦٧، أما اليمين فهو يريد ضم مناطق جيم فقط وهو غير معني بضم مناطق ألف وباء لأنه لا يريد السكان الفلسطينيين، ولكنه يريد أرضهم فقط.
ضمن هذه الرؤية أين تقف أحزاب الوسط: هي أيضاً لا تريد الانسحاب ولا تريد الضم، وهي بالتالي لا تختلف عن أحزاب اليسار ولا عن أحزاب اليمين. مفهوم «أحزاب الوسط» هنا في العلاقة مع الفلسطينيين هو مجرد مفهوم فارغ بلا محتوى.
بالتأكيد لكلمات مثل اليسار والوسط واليمين دلالات اجتماعية في إسرائيل لها علاقة بموقف هذه الأحزاب من مسألة الحقوق الاجتماعية: التأمين الصحي، الأجور، التعليم، الضرائب، وغيرها. لكن في السياق المتعلق بالصراع مع الفلسطينيين حول الأرض والحقوق التاريخية مثل حق العودة وحق تقرير المصير، هذه المسميات تفقد قيمتها.
على الرغم من ذلك، الدراسة التي يقدمها الباحث وليد حباس في غاية الأهمية في توقيتها لأنها تشير الى مسألة مهمة جدا قد تكون هي عنوان المرحلة المقبلة في السياسات الاسرائيلية: تقليص الصراع مع الفلسطينيين والخطوات العملية التي يمكن لحكومة «بينيت» اتخاذها في هذا المضمار.
خطورة هذا المفهوم (تقليص الصراع) تكمن في كونها الوجه القبيح الآخر لخطة ترامب دون الإعلان عن ذلك. بدلاً من القول بأن الدولة الفلسطينية ستكون على مساحة ٦٠٪ ومحاصرة من جميع حدودها بإسرائيل كما أعلن ترامب في خطته بعد إعطائه غور الأردن والقدس والكتل الاستيطانية لإسرائيل، خطة تقليص الصراع، تعطي الفلسطينيين ٤٠-٤٥٪ من ارضهم (مناطق ألف وباء ونسبة صغيرة من منطقة جيم) وتنهي الصراع دون أن تقول بأنها قد حسمته لصالحها.
هنا توجد مخاوف حقيقية. خطة ترامب رفضتها صراحة السلطة الفلسطينية وأوروبا والكثير من الدول العربية.
خطة تقليص الصراع قد تلتقطها إدارة بايدن وتوافق عليها باعتبارها ليست حلاً نهائياً للصراع وإنما محاولة لخفض التوتر بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وقد ترى فيها السلطة خطوات تهدف لبناء الثقة او لتمكينها من أن تكون أكثر فاعلية في مناطق ألف وباء، وقد ترى أوروبا أيضاً ما تراه السلطة، والعرب بالطبع سيوافقون إن وافقت عليها السلطة.
لكن الواقع أن هذه الخطة هي نسخة طبق الأصل عن مؤامرة ترامب التي أسقطها الشعب الفلسطيني وحلفاؤه من العرب والأوروبيين، وهي تقدم بلغة وبطريقة أخرى حتى تقبلها أميركا وأوروبا ولا قدر الله السلطة الفلسطينية أيضاً.
