كتب: وسام عفيفة
حذّر تقدير موقف من مخاطر تحوّل خطة التعافي المقترحة في قطاع غزة إلى أداة لتثبيت نتائج الحرب وإعادة تشكيل واقع القطاع سياسيًا وأمنيًا وإداريًا، مشددًا على أن المعادلة الفلسطينية تقتضي تسريع الخدمات المنقذة للحياة، بالتوازي مع حماية حقوق السكان في العودة والملكية ومعرفة مصير مفقوديهم، والحفاظ على الأدلة التي تضمن فرص المساءلة عن الجرائم المرتكبة.
ورجّح القدير، الذي أعدّه وسام عفيفة للمركز الفلسطيني للإعلام، ونشر اليوم الأحد، أن يقود تنفيذ الخطة وفق شروطها الحالية إلى سيناريو “التعافي الانتقائي المشروط”، بحيث تتقدم المشروعات في مناطق محددة وفق الاعتبارات الأمنية، فيما تبقى مناطق أخرى وخدمات أساسية رهينة الترتيبات السياسية والميدانية.
وأوضح أن خطة مجلس السلام، التي تضم 66 مشروعًا بكلفة تقديرية تبلغ 2.45 مليار دولار، لا تقتصر على الاستجابة للاحتياجات الإنسانية وإعادة الإعمار، بل تتضمن توجهات لإعادة تشكيل منظومة الأمن والإدارة والاقتصاد في غزة، بما يثير تساؤلات بشأن الجهة التي ستحدد أولويات التعافي وتتحكم بقرار التنفيذ.
885 مليون دولار للمخصصات الأمنية
وسلّط التقدير الضوء على المخصصات الأمنية المقترحة، التي تبلغ نحو 885 مليون دولار، بما يعادل قرابة 36% من إجمالي الخطة، وتشمل إنشاء موقع محصّن في رفح لاستيعاب خمسة آلاف من أفراد قوة الاستقرار الدولية، وحشد قوة متعددة الجنسيات وتدريبها وتجهيزها، إلى جانب دعم الشرطة الفلسطينية وبرنامج لتسليم الأسلحة مقابل حوافز مالية.
وأشار إلى أن هذه المخصصات تعادل نحو ثلاثة أمثال الإنفاق المقترح للصحة والتعليم والرعاية مجتمعة، وأكثر من ضعفي مخصصات الإيواء المؤقت، وهو ما يعكس الوزن الكبير للترتيبات الأمنية في برنامج يحمل عنوان التعافي.
وأكد أن الإشكالية لا تتعلق بتوفير الشرطة وحماية المرافق، وإنما بطبيعة وظيفة هذه القدرات ومرجعيتها، وما إذا كانت ستُستخدم لحماية السكان أم لفرض شروط سياسية وأمنية تُعلّق عليها الخدمات الأساسية.
ونبه إلى أن التقارير التي تحدثت عن تعطيل الاحتلال إنشاء موقع للقوة الدولية في غزة تكشف خضوع هذه الترتيبات للموافقة الإسرائيلية، بما يمنح الاحتلال قدرة إضافية على تعطيل البرنامج.
إزالة الركام تهدد أدلة الجرائم ومصير المفقودين
وفي أحد أبرز التحذيرات، شدد التقدير على أن أنقاض غزة ليست مجرد مواد إنشائية قابلة للنقل والتدوير، بل تضم رفات مفقودين ومتعلقات شخصية وآثار ذخائر وأدلة مادية قد تكون ضرورية للتحقيق في جرائم الحرب والإبادة الجماعية.
وحذّر من أن عمليات التجريف وإزالة الركام دون توثيق جنائي وإنساني مسبق قد تؤدي إلى فقدان الأدلة وتعقيد التعرف على الضحايا، مشيرًا إلى تحذيرات أممية وحقوقية من عمليات تسوية الأراضي وإزالة الأنقاض دون احترام لوجود رفات تحتها.
وتزداد هذه المخاطر في المناطق الواقعة خلف الخط الأصفر، حيث تحد السيطرة العسكرية الإسرائيلية من وصول العائلات والجهات المختصة، بالتزامن مع تقارير عن أعمال هدم وتجريف ونقل للأنقاض.
كما توقف التقدير عند التوجه للبدء بمشروعات في رفح، في مسار وصفه بـ”رفح أولًا”، مشيرًا إلى تقارير عن حي تجريبي ممول إماراتيًا يستوعب نحو 50 ألف شخص، بالتوازي مع عمليات تسوية وإزالة للركام في بعض المواقع.
وحذّر من أن البدء بالبناء دون إجراء مسح جنائي وإنساني مستقل والتحقق من الملكيات ومصير المفقودين قد يفضي إلى إقامة مشروعات فوق أراضٍ لم تُحسم حقوق أصحابها فيها، أو لم يُتح البحث فيها عن الرفات والأدلة.
استبعاد الأونروا وتراجع المساعدات الإنسانية
وتناول التقدير التناقض بين حجم المخصصات الأمنية وتراجع المساعدات الإنسانية، مشيرًا إلى إعلان برنامج الأغذية العالمي خفض عدد المستفيدين من مساعداته في غزة من 1.6 مليون إلى 1.1 مليون شخص، وتقليص الحصص الغذائية إلى النصف، في ظل احتياجه إلى 450 مليون دولار لمواصلة عملياته في غزة والضفة خلال ستة أشهر.
كما حذّر من تداعيات موقف مجلس السلام الرافض لاستمرار وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بصيغتها المؤسسية، معتبرًا أن التعامل معها بوصفها مجرد مقدم خدمات يمكن الاستعاضة عنه يتجاهل طبيعة تفويضها الأممي وارتباطها بقضية اللاجئين وحقوقهم.
وأشار إلى مؤشرات على إمكانية الاستفادة من بعض برامج الوكالة وموظفيها بعد إخضاعهم للتدقيق، مقابل إضعاف إطارها المؤسسي، بما قد يؤدي إلى تشتيت الخدمات واستنزاف الكفاءات.
ثلاثة سيناريوهات لمستقبل التعافي
وخلص التقدير إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل الخطة: الأول، التعافي الانتقائي المشروط، وهو الأرجح في ظل المعطيات الحالية، وتبدأ فيه المشروعات بالمناطق المتاحة أمنيًا، مع تفاوت الخدمات واستمرار القيود وتأخر انتقال الصلاحيات الفلسطينية.
والثاني، التعطيل الممتد، حيث تبقى المشروعات معلنة دون انطلاق واسع نتيجة الخلافات بشأن السلاح والانسحاب والوصول الميداني، إلى جانب احتمال منع المعدات وتراجع التمويل الإنساني.
أما الثالث، فهو التعافي الأوسع بضمانات، عبر توفير وصول منتظم للمساعدات والمستلزمات، ومنح المؤسسات الفلسطينية صلاحيات فعلية، وحماية الملكية والبيانات والمؤسسات القائمة، وإقرار بروتوكول ملزم للبحث عن المفقودين وحفظ الأدلة الجنائية.
واعتبر التقدير أن هذا السيناريو، رغم كونه الأقل ترجيحًا حاليًا، هو الأكثر قدرة على إنتاج استقرار مستدام.
وأكد أن نجاح التعافي لا يُقاس بحجم الأموال أو عدد المشروعات، بل بقدرة الفلسطينيين على استعادة حياتهم وإدارة شؤونهم، وضمان حقوقهم في العودة والملكية ومعرفة مصير أبنائهم، وحفظ الأدلة التي تتيح تحقيق العدالة والمساءلة.
