خرج صوته من الظل، ثم ظهر وجهه. بدا كمحارب تأخّر عن زمنه. بقي وحده بجسدٍ دامٍ، بعدما استشهد المحاربون من حوله. لم تكن له درع. كانت له أرض، وكان عليه أن يجد سلاحًا ليبقى فيها.
هذا المحارب يقاتل مرتين. يقاتل أولًا كي يحصل على بندقيته، ثم يقاتل بالبندقية التي غنمها. وبين المعركتين يمضي عمر.
قد تخلع زوجته مصاغها ليفتح الذهب طريقًا إلى السلاح. وقد يعود من معركة ببندقية لم تكن له حين دخلها. ينظّفها، يقبّلها، ويمضي.
كانت بيوت البلاد بيته. يعبر الأزقة والحواري والمخيمات، وينام في المزارع والكهوف. يعرف حجارة الوديان، ويحفظ طرقها. ثم ينزل تحت الأرض، وتمضي سنوات في الأنفاق. وحين يخرج، يقف عند حديقة ورد. يقرّب وردة من وجهه ويشمّها. تبقى البندقية على كتفه. لهذه الرائحة حملها، ولهذه التربة التي ينفضها عن حذائه ولا تغادره.
وحين يُنتزع سلاحه، تبدأ معركته الأولى من جديد. يعرف الطريق. سبق أن مشاها بيدين فارغتين.
ظلّ وجهه غائبًا، وكانت آثار خطاه تملأ المشهد. ثم جاءت اللقطة الأخيرة. ظهر الفدائي الأخير. شاخ خارج الصور. وبدا، وهو يغادر، كأنه يطوي صفحة بيد، ويترك بالأخرى طرفها مفتوحًا لمن سيأتي بعده.
خلفه عتمة السنوات، وأمامه الورد. تبقى بندقيته لمن يلتقطها، والحديقة لمن يرعاها. يمرّ الهواء بين أغصانها. تنحني وردة، ثم تستقيم.
