كشف برنامج «ما خفي أعظم» الاستقصائي، الذي بثته قناة الجزيرة، تفاصيل جديدة عن مسيرة القائد العام لكتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، محمد الضيف، عارضا صورا ومشاهد تنشر للمرة الأولى من اجتماعات القيادة العسكرية للكتائب، إلى جانب وثائق تتناول خلفيات التخطيط لعملية «طوفان الأقصى» ومراحل اتخاذ القرار بشأن تنفيذها.
وتضمنت الحلقة لقطات حصرية للضيف خلال اجتماعات لهيئة أركان القسام قبل سنوات من عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومشاهد من غرفة القيادة العسكرية تظهر مشاركته في وضع اللمسات الأخيرة للعملية قبل أيام من انطلاقها، فضلا عن تفاصيل من حياته الشخصية وبداياته التعليمية والمسرحية، ومحطات من اعتقاله وتأسيس مسيرته العسكرية."
وخلال حديثه في البرنامج، قال محمد الضيف، واسمه الحقيقي محمد دياب إبراهيم المصري، إنه ولد عام 1965 في خان يونس جنوبي قطاع غزة، وإن أصول عائلته تعود إلى بلدة كوكبا، شرقي المجدل.
وأوضح أنه درس في مدرسة خان يونس الثانوية، وحصل على معدل 79.8% في الثانوية العامة، ثم التحق بالجامعة وتخصص في علم الأحياء. وكشف أن نشاطه خلال سنوات الدراسة الجامعية لم يقتصر على التحصيل العلمي، بل شمل المشاركة في فرقة «العائدون» ذات النشاط المسرحي، إذ كان يمارس التمثيل قبل انتقاله إلى العمل العسكري.
وقال الضيف إن بداياته العسكرية ارتبطت برسالة تلقاها للانضمام إلى «المجاهدون الفلسطينيون»، ضمن تنظيم تابع لحركة حماس، قبل أن تتوالى المحطات التي قادته إلى مواقع متقدمة في العمل العسكري، وصولا إلى قيادة كتائب القسام.
واستعاد الضيف تفاصيل اعتقاله في سجون الاحتلال عام 1989، موضحا أن اعتقاله استند إلى اعترافات أدلى بها معتقلون آخرون، مؤكدا أنه لم يعترف خلال التحقيق أو أمام المحكمة العسكرية.
وأشار إلى خضوعه لجولات تحقيق مكثفة شارك فيها خمسة أو ستة محققين، وصف ضغوطهم بأنها شديدة وقاسية، لكنه قال إنه تمكن من الصمود، وبنى علاقات مع أسرى من فصائل فلسطينية مختلفة.
وتناول الضيف، خلال حديثه، لقاءه بالشيخ صلاح شحادة أثناء توجههما إلى المحكمة، مشيرا إلى أنه طلب منه التفكير في تكليفه بعمل مباشر، في إشارة إلى توجهه المبكر نحو العمل العسكري.
وأضاف أن معرفته الأولى بتركيب السلاح بدأت داخل السجن من خلال الرسومات، قبل أن يتدرب، عقب الإفراج عنه، على استخدام مسدس حقيقي، في مرحلة وصفها بأنها من بدايات تجربته العسكرية العملية.
كما تحدث عن مرحلة ما بعد خروجه من السجن، وعن عمليات استهدفت الاستيلاء على أسلحة من الجيش الإسرائيلي، وفق روايته، موضحا أن هذه المرحلة شكلت إحدى المحطات الأولى في بناء قدراته العسكرية.
وتطرق الضيف إلى انتقال مجموعات من المقاتلين إلى الضفة الغربية، والتنسيق مع شخصيات وقيادات ميدانية هناك، مشيرا إلى شراء أسلحة وقنابل، وتشكيل مجموعات عمل ضمت فلسطينيين من غزة والضفة الغربية.
وأوضح أن هذه المجموعات عملت على توحيد صفوفها ضمن بنية مترابطة، بعيدا عن تقسيمها على أساس المناطق الجغرافية، وفق ما ورد في حديثه.
كما استعاد تفاصيل التحركات الميدانية والتدريبات التي أجرتها المجموعات في المناطق الجبلية، مشيرا إلى تنفيذ عمليات متعددة في الضفة الغربية، في ظل صعوبات الحركة والحواجز العسكرية التي كانت تواجهها.
وتكشف هذه الشهادات جانبا من المراحل التي سبقت وصول الضيف إلى قيادة القسام، وكيف تشكلت تجربته العسكرية عبر الاعتقال والتدريب والعمل الميداني وتطوير البنية التنظيمية.
وعلى مدى عقود، ظل محمد الضيف أحد أبرز المطلوبين لدى الاحتلال، في ظل ملاحقة استخباراتية استمرت سنوات، ومحاولات اغتيال متعددة استهدفته.
وتعرض الضيف لإصابات بليغة خلال محاولات سابقة لاغتياله، وسط تقارير وتسريبات تحدثت عن تدهور حالته الصحية وعجزه عن الحركة لفترات طويلة. ومع ذلك، استمر حضوره في المشهد العسكري، وظلت تفاصيل حياته وتحركاته محاطة بسرية شديدة.
وفي 13 يوليو/تموز 2024، شن طيران الاحتلال سلسلة غارات مكثفة على منطقة المواصي في خان يونس، جنوبي قطاع غزة، مستخدما أحزمة نارية متتابعة، في هجوم أعلن الاحتلال أنه استهدف اغتيال الضيف.
وفي 30 يناير/كانون الثاني 2025، أعلن الناطق باسم كتائب القسام أبو عبيدة استشهاد الضيف، إلى جانب عدد من القادة العسكريين، هم نائبه مروان عيسى، وقائد ركن الأسلحة والخدمات القتالية غازي أبو طماعة، وقائد ركن القوى البشرية رائد ثابت، وقائد لواء خان يونس رافع سلامة.
ومن أبرز ما عرضته الحلقة صور نادرة للضيف خلال السنوات الأولى من مطاردته، إلى جانب مشاهد مصورة لاجتماعات لهيئة أركان كتائب القسام قبل عملية «طوفان الأقصى» بسنوات.
كما عرض البرنامج صورا لاجتماع ضم قيادات المجلس العسكري العام للكتائب، في مادة أرشيفية وصفها بأنها تنشر للمرة الأولى، فضلا عن مشاهد للقائد العسكري عز الدين الحداد وهو يتحدث عن أمر بدء عمليات «طوفان الأقصى».
وتضمنت الحلقة أيضا مشاهد توثق إعلان القائد أيمن صيام بدء معركة «سيف القدس» عام 2021، عبر قصف القدس المحتلة خلال مسيرة الأعلام التي نظمها المستوطنون.
وعرض البرنامج وثائق قال إنها صادرة عن كتائب القسام، تناولت دوافع التخطيط لعملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ومراحل اتخاذ القرار بشأن تنفيذها.
وبحسب إحدى الوثائق التي عرضتها الجزيرة، كان التصعيد في المسجد الأقصى وأوضاع الأسرى الفلسطينيين من الدوافع التي استند إليها التخطيط للعملية، فيما أشارت الوثيقة إلى أن التحضير لها بدأ قبل نحو ثمانية أشهر، مع طرح احتمال إلغائها إذا أوقف الاحتلال اعتداءاته.
وفي وثيقة أخرى، قالت الجزيرة إن كتائب القسام أقرت تنفيذ العملية في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعد تنصل رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو من تفاهمات سابقة مع الوسطاء.
وتقدم هذه الوثائق، وفق ما عرضه البرنامج، تفاصيل عن السياق الذي سبق العملية، والاعتبارات التي ناقشتها قيادة القسام خلال مرحلة الإعداد، والظروف التي أحاطت بالقرار النهائي بشأن التنفيذ.
وعرضت الحلقة مشهدا مصورا يظهر القائد الفلسطيني يحيى السنوار وهو يبكي فرحا خلال تلقيه نبأ التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في حرب «سيف القدس» عام 2021، وذلك خلال مكالمة مع محمد الضيف.
واندلعت تلك المواجهة في سياق التصعيد الذي شهده المسجد الأقصى ومحاولات تهجير سكان حي الشيخ جراح في القدس المحتلة، وما تبعه من تطورات ميدانية.
كما تضمنت الحلقة مواد أرشيفية مرتبطة بتلك المرحلة، في سياق استعراض محطات من تاريخ المواجهة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال، وصولا إلى عملية السابع من أكتوبر وما سبقها من تحضيرات.
وفي السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، نفذت كتائب القسام هجوما واسعا استهدف مواقع عسكرية ومستوطنات في غلاف غزة، ضمن عملية «طوفان الأقصى»، التي قالت الحركة إنها جاءت ردا على اعتداءات الاحتلال بحق الفلسطينيين والمقدسات، وفي مقدمتها المسجد الأقصى.
وقُتل خلال الهجوم مئات الجنود والضباط الإسرائيليين، وأُسر ما لا يقل عن 240 إسرائيليا، أُفرج عن معظمهم لاحقا ضمن صفقات تبادل مع المقاومة الفلسطينية.
وتعيد حلقة «ما خفي أعظم» فتح ملفات تلك المرحلة من خلال شهادات الضيف، والصور التي تعرض للمرة الأولى، والوثائق التي تتناول دوافع التخطيط للعملية ومسار اتخاذ القرار بشأنها، مقدمة رواية استقصائية عن محطات من حياة قائد القسام، وبدايات تجربته العسكرية، وصولا إلى دوره في الإعداد لعملية السابع من أكتوبر.