كان الأثينيون اليونانيون يؤمنون أن الجمال الخارجي ينعكس على الجمال الداخلي، وأن الجمال الخارجي جزء ركين من المواطنة الصالحة؛ لذا اهتموا بالرياضة والرشاقة، وظهرت فلسفة الجمال عند الإغريق بصفة عامة إذ نحت الفنانون تماثيلهم بصور جميلة خلابة.
لكن المفارقة أن عظيم فلاسفة اليونان كان دميم الخلقة بدينا، لذا فإن قبح سقراط كان مخالفا لفلسفة مجتمعه، وربما هذا ما صنع عنده المفارقة الفلسفية التي دعته إلى تفكيك مجتمعه عن طريق طرح الأسئلة المبصرة، مما دفع مجتمع الجمال في النهاية بعد أن ضج بسقراط أن يتحول إلى مجتمع قبح، ويحكم عليه بالموت سما.
المفارقة الثانية أن ديوجين الكلبي صاحب المصباح في عز النهار هو الآخر كان قبيح المظهر بل كان متسخا، وزهد بالدنيا وعاش في برميل من الفخار .
المفارقة الثالثة في أن الجاحظ العربي كان دميم الخلقة، وإذا كان يقال عن سقراط بأنه يشبه الحيوان الأسطوري السيلونوز فإن الجاحظ يشبه الشيطان.
(والسيلونوز هذا في الاساطير اليونانية له أذن فيل وحوافر ماعز، ويصور في الأساطير اليونانية بشكل رجل دميم أفطس الأنف، وعينين جاحظتين، بيد أنه أوتي حكمة وقدرة في التنبؤ).
والجاحظ الذي يشبه السيلونوز كذلك أتى بما لم يأت به الأوائل من جمال البيان العربي وسحر الكلام، والرؤية الحداثية السابقة لعصره، وربما أن الجاحظ الذي عاش في العصر العباسي يمتلك حداثة تفوق المعاصرين .
هناك قباح المظهر والمنظر، لكنهم أصحاب جماليات كالحطيئة والمعري وأبو دلامة وبشار، فهل قبح منظرهم صنع عندهم مفارقات ومخالفات لمجتمعهم، فجادوا علينا بجماليات أدبية وفنون دفاع، وتحول قبحهم إلى مادة أدبية عطرية، أم أن الله عوضهم عن قبح المظهر بجمال الكلام، وسحر البيان؟
نحن اليوم في عصر اليونان، فالنساء الجميلات يوظفن سريعا، ويخترن بطلات التمثيل، أما الممثلون من غير الجميلين فيأخذون أدوار المافيا إن صحت لهم الفرصة، أو أوتوا حظا عظيما.
مجتمع اليوم يحتاج إلى الجاحظيين والسقراطيين القبيحين في مظهرهم كي يزيلوا هذا القبح العالمي المتدكس، فإن ما قيل ودرس من جماليات العالم أضحى هو القبح بعينه، فالديموقراطية، وحقوق الإنسان، والتنوير، والإنسان الأخير، والحضارة الأخيرة أصبحت هي الأشد قبحا والأكثر ظلما، ومن هنا تداخلت المصطلحات ولم نعد نفرق بين القبح الذي يلبس ملابس الجمال، والجمال الذي يلبس ملابس القبح، وعلى نرسيس الذي طغى في عبادة ذاته الجميلة أن يغرق في بحيرته، فبدلا من التأمل في الطبيعة واستغلال موادها لصالح البشرية غرق في عبادة جماله.
نحتاج اليوم إلى القبح الذي يدافع عن نفسه، ويظهر الخير في أفعاله، والعظمة في مكوناته، والجمال في سحره الفني.
نحتاج القبح ليحارب المجتمع الحالي الغارق في ماديته، فهو لا يرى ما هو أجمل من الذهب البراق اللماع، لكن معدلة الغريق التي يعيشها المجتمع العالمي تختلف، فهو أحوج إلى قطعة الخشب التي كان سيحرقها في مدفأته من سبائك الذهب، فالموت لا ترف فيه، الموت أعمى لا يرى اللمعان، ولا يحس بالنعومة، ولا يشم روائح المعدن الثمين.
بقلم: د. عدوان نمر عدوان
كاتب وناقد فلسطيني / جامعة النجاح الوطنية – نابلس
