في الوقت الذي هبط فيه سعر صرف الدولار هذا العام إلى مستويات متدنية لامست 3.06 شيكل في بعض موجات التراجع، بعد أن كان قد بلغ ذروته عند 3.80 شيكل العام الماضي بمتوسط سنوي قدره 3.45 شيكل، كان من المفترض -وفق المنطق الاقتصادي- أن ينعكس هذا الانخفاض على أسعار السلع المستوردة في السوق الفلسطينية.
ففلسطين تعتمد على الاستيراد بشكل كبير، وغالبية السلع الأساسية، من الطحين والأرز والزيوت إلى الأجهزة الكهربائية والسيارات، تُسعّر بالدولار الأميركي. وكل تراجع في سعر الدولار يعني عملياً أن المستورد يحتاج إلى كمية أقل من الشواكل لشراء المبلغ ذاته من العملة الأجنبية، ما يفترض أن يخفض كلفة الاستيراد وبالتالي السعر النهائي للمستهلك.
لكن ما يحدث في الأسواق لا يعكس هذه المعادلة البسيطة.
الأسعار بقيت شبه مستقرة، بل إن بعضها لم يشهد أي تعديل يُذكر، رغم استمرار الدولار عند مستويات منخفضة لفترة ليست قصيرة.
هنا تبرز طبيعة الاقتصاد الفلسطيني القائم على مبدأ السوق المفتوح، حيث لا توجد آليات إلزامية لتحديد هوامش الربح أو فرض تسعير مباشر لمعظم السلع. التدخل الرسمي يقتصر في العادة على المتابعة العامة أو إصدار أسعار استرشادية لبعض الأصناف في رمضان تحديداً، دون وجود أدوات حقيقية لفرض خفض الأسعار عند انخفاض الكلفة.
في بيئة كهذه، ينتقل ارتفاع التكلفة سريعاً إلى المستهلك عند صعود الدولار، إذ يُعاد تسعير السلع فوراً تقريباً.
أما عند تراجع الدولار، فلا يوجد ما يُجبر التاجر على خفض السعر، ما لم تدفعه المنافسة إلى ذلك. وهذه المفارقة تعكس ما يُعرف اقتصادياً بعدم تماثل انتقال أثر سعر الصرف، حيث يكون انتقال الزيادة سريعاً، بينما يتأخر انتقال الانخفاض أو يظل محدوداً.
ويزداد هذا الواقع وضوحاً في سوق صغيرة ومركزة نسبياً، يسيطر فيها عدد محدود من كبار المستوردين أو الوكلاء على قطاعات كاملة. فضعف المنافسة يمنح قدرة أكبر على تحديد الأسعار وفق اعتبارات السوق وهوامش الربح، لا وفق الكلفة الفعلية فقط.
وفي ظل غياب شفافية تفصيلية حول تكاليف الاستيراد وهوامش الأرباح، يصعب التحقق من حجم الفائدة التي تحققت للمستوردين والتجار نتيجة تراجع الدولار، لكن من الواضح أن الفارق في سعر الصرف يمكن أن يكون مؤثراً.
فعلى سبيل المثال، شحنة بقيمة مليون دولار كانت تتطلب نحو 3.8 مليون شيكل عند سعر 3.80، بينما لا تتجاوز كلفتها 3.06 مليون شيكل عند سعر 3.06، أي بفارق يقترب من ثلاثة أرباع مليون شيكل.
وحتى مع الأخذ في الاعتبار فروقات التوقيت بين الشراء والبيع، وتكاليف الشحن والتخزين والضرائب، فإن استمرار الدولار عند مستويات منخفضة يفترض أن يظهر أثره تدريجياً على الأسعار، ما لم يتم امتصاص هذا الفارق ضمن هوامش الربح.
كما أن ارتباط السوق الفلسطينية بالسوق الإسرائيلية يضيف بعداً آخر للمعادلة، إذ تدخل العديد من السلع عبر موردين إسرائيليين يحددون الأسعار وفق اعتباراتهم الخاصة، ما يحدّ من انعكاس أي تغير في سعر الصرف بشكل مباشر على المستهلك الفلسطيني.
في المحصلة، يطرح تراجع الدولار إلى مستويات 3.06 شيكل سؤالاً جوهرياً حول عدالة انتقال المنافع داخل السوق. فإذا كانت الزيادات تُحمَّل سريعاً على المستهلك عند ارتفاع سعر الصرف، فمن المنطقي أن ينعكس الانخفاض بالوتيرة ذاتها.
أما استمرار الأسعار عند مستوياتها السابقة، فيفتح نقاشاً أوسع حول بنية السوق، وهوامش الربح، وحدود دور الرقابة في اقتصاد مفتوح، يبقى فيه المستهلك الحلقة الأضعف ما لم تُفعَّل أدوات المنافسة والشفافية.
