كتب: عماد الإفرنجي
الصحفي الفلسطيني الذي يعاني الملاحقة والنزوح والمجاعة، وفقد معدات العمل وأدوات الحماية، لم يسمح أبداً لصورة ضحايا حرب الإبادة الجماعية على غزة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي منذ ثلاث سنوات أن تغيب. هذا الصحفي الذي كتب بدمائه من أجل فلسطين، لا يجد اليوم من يكتب عنه، أو يرفع صوته لينقذه، أو حتى يتضامن معه!!
لم تعد المخاطر التي يواجهها الصحفيون تقتصر على الاغتيال والإصابة والملاحقة والاعتقال والتهديد بالقتل لهم ولعائلاتهم من قبل الاحتلال؛ فهناك العشرات منهم يعانون إصابات بليغة وأمراضًا صعبة، وآخرون يحتاجون إلى عمليات جراحية ورعاية تخصصية عاجلة، في واقع صحي هو الأكثر كارثية في قطاع غزة.
عمار قديح صحفي قدير، يعاني وضعًا صحيًا صعبًا إثر كسر أصاب ظهره؛ وخضع لعملية جراحية لكن حالته تدهورت، فبالكاد يلتقط أنفاسه ويحتاج إلى جهاز تنفس صناعي، ثم بدأ يفقد الإحساس تدريجيًا حتى أصبح وضعه الصحي خطيرًا جداً، متطلبًا دعمًا طبيًا ورعاية عاجلة.
أما زميله الصحفي الكبير حسن جبر، فلا يزال يعاني وضعًا صحيًا حرجًا ومتدهورًا للغاية جراء جلطات متكررة أفقدته القدرة على الحركة وجعلته قعيد كرسي متحرك، وتراجعت قدرته على الإبصار، ويتكلم بصعوبة، مما يتطلب علاجًا عاجلاً.
كلا الزميلين انحازا إلى الحقيقة والمهنية وقضايا شعبهما؛ همومهم، آلامهم، آمالهم، ولم يتوقفا لحظة عن الوقوف إلى جانب الفلسطيني أينما كان، فلم تنكسر أقلامهما، ولم تتراجع عزيمتهما، ولم يخفت صوتهما.
الصحفيون الذين لم يبخلوا يوماً بالكتابة لأجل شعبهم ووطنهم ومقدساتهم، وعن الشهداء والأسرى والجرحى، وعن الطفل والمرأة والشباب والعدالة وحقوق الإنسان، والذين كتبوا لمساعدة الناس، ينتظرون اليوم من يقف إلى جانبهم ويساعدهم!!
عمار وحسن اللذان قضيا أكثر من نصف عمريهما اللذين زادا على 50 عاماً في مهنة البحث عن المتاعب، هما نموذجان للصحفيين الذين يحتاجون إلى رعاية طبية خاصة، وغيرهما الكثير كالأكاديمي والصحفي الكبير د. حسن أبو حشيش، والصحفي محمد فايق أبو مصطفى، ومحمد نعيم، ولا بد من عدم التعامل معهم — بفلسفة اللامبالاة وقلة الحيلة — من قبل الجهات النقابية والصحية والمؤسسات الدولية!!.
الإجلاء الطبي "ليس امتيازاً" للصحفيين، بل هو حق أصيل لهم ولكل مريض، وضرورة إنسانية وطبية بعدما دمر الاحتلال بفعل آلته الحربية المنظومة الصحية في غزة، إذ إن هناك نحو 40 صحفياً يحتاجون إلى إجلاء طبي عاجل وعلاج في الخارج.
إن إجلاء الصحفيين المرضى والمصابين قضية إنسانية وحقوقية ومهنية عاجلة، خاصة لمن يعانون أمراضاً وإصابات خطيرة، أو يحتاجون إلى عمليات جراحية أو أطرافا صناعية، وأي تأخير في علاجهم يؤدي إلى تدهور أوضاعهم وفقدان فرص العلاج، بل الحياة!!، واستمرار الاحتلال في المماطلة والتسويف لسفر الصحفيين للعلاج هو عملياً حكم مسبق عليهم بالإعدام أمام عالم لا يأبه بالقيم والأخلاق والإنسانية!!.
أين منظمة الصحة العالمية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، واتحاد الصحفيين العرب، والاتحاد الدولي للصحفيين، ومراسلون بلا حدود؟ لماذا أنتم صامتون؟ أين دوركم؟ افعلوا ما تستطيعون! ترجموا بياناتكم واعتصاماتكم وتصريحاتكم إلى أفعال ولا تتركوا الصحفيين يموتون وأنتم تنظرون!
ولا أعفي الصحفيين في الداخل والخارج أيضاً من مسؤولياتهم تجاه زملائهم — وجميعنا معرض لما أصابهم — وأن يقوم كلٌ بدورِهِ في إثارة قضيتهم بكل فنون العمل الإعلامي، وإطلاق حملات مناصرة إعلامية وقانونية، واستثمار علاقاتهم عربياً ودولياً — حكومات ومنظمات ونقابات وغيرهم — من أجل العمل الفوري لسفرهم خارج غزة للعلاج، وتوفير رعاية صحية وحياة كريمة لهم ولعائلاتهم، فإن أصابهم سوء فنحن جميعا مذنبون في حقهم، وحينها لا معنى للزمالة والأخوة أو عبارات التضامن!!
