بلغ سعر أسطوانة غاز الطهي المنزلية في فلسطين، خلال شهر آب/أغسطس الجاري، 85 شيكل للأسطوانة سعة 12 كيلوغرامًا، فيما يبلغ سعر الأسطوانة في الأردن 7 دنانير فقط، أي نحو 35 شيكل، ما يعني أن المستهلك الفلسطيني يدفع نحو 50 شيكل إضافيًّا مقابل أسطوانة بالوزن نفسه تقريبًا في دولة مجاورة.
ويفتح هذا الفارق الكبير في الأسعار باب التساؤلات حول أسباب ارتفاع أسعار الغاز في السوق الفلسطينية، خصوصًا في ظل تراجع الطلب خلال فصل الصيف، وعدم ارتباط الغاز بشكل مباشر بالتطورات التي شهدتها أسواق الوقود العالمية وإغلاق مضيق هرمز خلال الفترة الأخيرة.
يقول نقيب أصحاب محطات المحروقات، أسامة مصلح، إن الغاز الذي يصل إلى السوق الفلسطينية يأتي من شركات إسرائيلية، موضحًا أن هذه الشركات تحصل عليه إما من الإنتاج المحلي في "إسرائيل" أو من الاستيراد الخارجي.
ويشير مصلح، في تعقيب صحفي، إلى أن أعطالًا أصابت مصفاة حيفا خلال الحرب الأخيرة، أدت إلى زيادة الاعتماد على الغاز المستورد، إلا أن ذلك، وفق تقديره، لا يبرر وصول سعر الأسطوانة الفلسطينية إلى 85 شيكل.
ويؤكد أن الشركات الموردة للغاز في "إسرائيل" تستورد جزءًا من احتياجاتها من روسيا، وبالتالي فإن عملية التوريد لا تتأثر بشكل مباشر بإغلاق مضيق هرمز أو الحرب على إيران.
ويرى مصلح أن تراجع الطلب خلال فصل الصيف كان يفترض أن ينعكس على السعر، مشيرًا إلى أن السعر الطبيعي للأسطوانة في هذا الفصل يجب أن يتراوح بين 60 و65 شيكل، فيما يعتبر أن السعر العادل، وفق تقديره، لا يتجاوز 55 إلى 60 شيكل.
ولفت مصلح النظر إلى أن السعر المعلن من هيئة البترول لأسطوانة الغاز هو 85 شيكل، إلا أن هذا السعر ينطبق عند شراء الأسطوانة من محطة التعبئة مباشرة، بينما ما يدفعه المواطن بعد وصول الأسطوانة إلى منزله يكون أعلى من ذلك.
وطالب مصلح الحكومة بإعادة النظر في التسعيرة وخفض سعر الأسطوانة اعتبارًا من بداية شهر أيلول/سبتمبر المقبل.
من جانبه، يرى الباحث في مرصد السياسات الاجتماعية والاقتصادية، أشرف سمارة، أن ارتفاع سعر الغاز لا يرتبط فقط بكلفة استيراده، وإنما أيضًا بالضرائب المفروضة عليه، وفي مقدمتها ضريبة "البلو".
ويقول سمارة، إن الغاز يخضع لسياسة تسعير المشتقات النفطية، رغم أن اتفاقيات باريس الاقتصادية لا تفرض بالضرورة إبقاء أسعار جميع أنواع الوقود متطابقة بين فلسطين وإسرائيل، مشيرًا إلى أن هناك مجالًا لخفض الضرائب على الغاز والديزل والكاز، دون الالتزام الكامل بالتسعيرة الإسرائيلية.
وبحسب سمارة، فإن فلسطين تستورد الغاز من شركات إسرائيلية فقط، وتدفع السعر شاملًا الضرائب، قبل أن يجري تحويل الضرائب إلى الحكومة الفلسطينية من خلال آلية المقاصة.
ويعتبر أن السبب الرئيسي في ارتفاع السعر هو مستوى الضرائب المرتفع المفروض على مشتقات الوقود والغاز، مؤكدًا أن الحكومة الفلسطينية تمتلك، من حيث المبدأ، إمكانية التدخل في تسعيرة الغاز.
ويربط سمارة بين سياسة الضرائب المرتفعة وواقع الأزمة المالية التي تعيشها الحكومة الفلسطينية، موضحًا أن جزءًا كبيرًا من الإيرادات يأتي من الضرائب المفروضة على سلع محددة، أبرزها الوقود والسجائر والسيارات والإسمنت.
ويرى أن الحكومة تستطيع البحث عن موارد من السلع الكمالية، بدلًا من تحميل السلع الأساسية أعباء ضريبية مرتفعة، مشددًا على ضرورة دعم الأسر الفقيرة ومتوسطة الدخل، ومن بينها دعم الغاز باعتباره سلعة أساسية موجودة في كل منزل تقريبًا.
ويقول إن سعر الأسطوانة الذي يصل إلى 75 أو 85 شيكل لا يتناسب مع مستويات الدخل في فلسطين، ولا يمكن مقارنته ببساطة بالأسعار الإسرائيلية، حيث إن متوسط دخل المواطن الإسرائيلي أعلى بكثير من متوسط دخل المواطن الفلسطيني.
وتبرز المقارنة مع الأردن حجم الفارق في الأسعار. فقد قررت الحكومة الأردنية، مطلع آب/أغسطس، تثبيت سعر أسطوانة الغاز المنزلي زنة 12.5 كيلوغرام عند 7 دنانير، أي ما يعادل نحو 35 شيكل.
وبذلك، يدفع المواطن الفلسطيني حاليًا 85 شيكل مقابل أسطوانة سعة 12 كيلوغرامًا، في حين يدفع المواطن الأردني نحو 35 شيكلًا لأسطوانة أكبر قليلًا، بفارق يصل إلى نحو 50 شيكل.
واللافت أن قرار تثبيت الأسعار في الأردن جاء رغم ارتفاع متوسط الأسعار العالمية للمشتقات النفطية خلال شهر تموز/يوليو، إذ قالت لجنة تسعير المشتقات النفطية إن الحكومة تحملت، منذ بداية الأزمة وحتى نهاية تموز، نحو 212 مليون دينار كدعم وفروقات سعرية، شملت دعم أسطوانات الغاز المنزلي.
في المقابل، يقول سمارة إن الحكومة الفلسطينية لا تدعم قطاع الغاز، ولا تذهب إلى السعر الحقيقي وتخفض منه، وما كانت تقوم به سابقًا هو التلاعب في هامش الضريبة الذي تأخذه.
وبينما ترى الجهات الرسمية أن التسعيرة الحالية تستند إلى آلية تسعير المشتقات النفطية، يعتقد أصحاب محطات الوقود والباحثون أن هناك مجالًا لإعادة النظر في السعر، خصوصًا أن الغاز سلعة أساسية وليست من السلع الكمالية.
وفي ظل تراجع الطلب صيفًا، واستمرار الأزمة الاقتصادية والمالية، يصبح السؤال المطروح: هل يعكس سعر أسطوانة الغاز البالغ 85 شيكل كلفتها الحقيقية، أم أن الضرائب والإيرادات الحكومية تشكل الجزء الأكبر من السعر الذي يدفعه المواطن؟
