بقلم/ زياد خدّاش
قلةٌ منهم ما زالوا موجودين بيننا، معظمهم رحل عن عالمنا، بقي منهم من الثمانينيين والتسعينيين، ممن ما زالوا يتحركون في المدن، ويجلسون على المقاهي، ويذهبون إلى الأطباء، قلةٌ منّا تعرفهم، قلةٌ تحكي قصصهم، الأكثرية لا تعرفهم، ولا تعرف ماذا فعلوا لأجلنا.
هؤلاء هم المزروعون في ذاكرات قليلة، تركوا آثارهم الرائعة على حياة الفلسطينيين في النواحي كافة: الثقافية والاقتصادية والصحية والاجتماعية، والوطنية.
أحد هؤلاء عرفتُ قصته بالصدفة، اسمه (محمود حبّية) مقدسيّ نقي القلب، كنتُ أسأل صديقا عن مستشفى المقاصد: أما زال يتلقى الدعم من جهات عربية كما في السابق؟
نظر إليّ محدثي نظرات مشفقة، وقال لي: آآه لو تعرف الحقيقة، بعد (محمود حبّية) لم يعد المقاصد هو نفسه، كان اسما جديدا عليّ تماما، سألته من هو (محمود حبّية) هذا؟ وسرد لي هذه القصة التي سردتها لطلابي، ولأصدقائي، علّني أساهم ولو بقليل من الذاكرة في أن يعرف شعبي الفلسطيني من هم أبطاله الحقيقيون المجهولون الذين خدموه دون أن تتجه نحوهم كاميرات، أو تحقيقات صحافية، أو مقابلات فضائية.
جلستُ مع محدثي في ساحة مشفى رام الله بانتظار صديق لزيارة صديق آخر مريض، (كان مستشفى المقاصد في أول الستينيات عبارة عن عيادات بسيطة فوق جبل الطور، كان يتلقّى الدعم من تبرعات هنا وهناك، وحين وقعت نكسة 67 خاف البطل الذي من بلادي أن يهدم الاحتلال هذه العيادات، ففكّر في حيلة رائعة ينقذ فيها العيادات خصوصا وأنه سمع أن الاحتلال سيصادر الأرض هناك ويحولّها إلى منطقة عسكرية، وأن الأسبوع القادم هو موعد هذه المصادرة.
سهر البطل ليلةً كاملةً على ضوء قمر القدس، وراح يفكّر في طريقة يبعد فيها خطر المصادرة، في الصباح وهو على وشك أن يغفو بعد ليلة أرق، أضاء قلبه مشهدٌ رهيبٌ، وهو مشهد الحلم الذي طالما راوده في تحويل العيادات إلى مستشفى، كان هذا حلا قديما حاول أن يفعّله في ذهنه، لكنّ حاجز التمويل كان سببا في التأجيل.
اليوم فقط، يستطيع أن يصنع هذا المشهد شكليّا؛ ليصدّ خطة الاحتلال، خرج من بيته على الفور، طرق أبواب بيوت قرية الطور بيتا بيتا، شرح لهم الموقف، وطلب المساعدة، ووافقوا على الفور، وبعد يومين فقط كانت العيادات قد توسعت بشكل مفاجئ، وفوجئ كل من زار المكان بمئات الأسرة تتوزع في المكان، وكان هناك العشرات من أهل الطور ينتحلون صفة مرضى يئنون في كل مكان على الأسرة، وعشرات آخرون من الممرضين والأطباء باللباس الأبيض الذين انتحل صفاتهم وهيئاتهم أهالي الطور يقفون مع سماعات أذن للأطباء يتفحّصون المرضى. كانت هناك خطة أخرى في عقل البطل العظيم، وهي أن يحضر العشرات من الصحافيين العرب والأجانب لتغطية مصادرة الأراضي إن حصلت.
فوجئ الاحتلال بالمشهد المفاجئ، وارتبكت خططه، واضطر أمام كاميرات الصحافيين بأن يغادر المنطقة، ويعترف بالأمر الواقع، وهكذا أنقذ بطل فلسطين (محمود حبّية) مستشفى المقاصد من الضياع، وكانت هذه العيادات أرضا جاهزة للتطور والتحوّل إلى مشفى حقيقي كما هو الآن، وحصل بجهوده ومثابرته وإخلاصه على مساعدات ثابتة من دولة الكويت، كانت الأمور تسير باتجاه رائع، لكنّ الأشياء الجميلة تجد دائما من يستعد لتخريبها من داخل الوطن، تكالب الفاسدون على (محمود حبّية)، وحاولوا إزاحته للسيطرة على المشفى، شكا البطل الأمر للزعيم (أبو عمار) الذي حماه، وثبّته في مكانه، وأزاح الفاسدين.
قلةٌ من شعبنا يعرفون قصة هذا المشفى، وقصة تطويره، وإنقاذه.
إلى هنا كلام محدثي وصديقي.
كم من بطل في بلادي هو (محمود حبّية) كم!! يعرفه القليلون جدا، وينساه، أو لا يعرفه الأكثرية، مات (محمود حبية) قبل سنوات طويلة، لم يكرمه أحد، لم يكتب عنه أحد، لم يحك قصته أحد.
تحية إلى هذا العملاق الذي بفضله قدم مشفى المقاصد وما زال يقدم الخدمات الكبيرة للفلسطينيين في كل مكان.
