نبأ- وكالة الصحافة الوطنية

نبأ- وكالة الصحافة الوطنية

هدية لا تضاهى، هدية لم تحدث

بقلم/ غسان زقطان

تضمن جدول قراءاتي في مهرجان «مديين» الشعري في كولومبيا، قبل سنوات، أكثر من رحلة خارج المدينة، كانت تلك فرصة لاكتشاف المكان والبلاد التي تقع خارج أماكن القراءة، الصعود الخطر في حافلة عنيدة، منعطفات ملتفة لجبال لا نهاية لها، تأمل الوديان السحيقة ومديات الغابة التي تنبع من أماكن بعيدة مثل أرتال كثيفة من الخضرة، كانت تلك الرحلات جزءا من برنامج المهرجان لنقل الشعر إلى قرى وبلدات تقع في الجبال، ولكنها في نفس الوقت كانت وسيلة لنقل هذه الطبيعة المدهشة ومصائر الناس المحفوظة بين الجبال والغابات وبيوتهم وملامحهم إلى الشعر.
يعود ذلك باقتراح إلى إدارة المهرجان، وإلى الشاعر الصديق «فرناندو روندين» مدير المهرجان الذي ينظر إليه كأهم وأكثر التجمعات الشعرية حيوية وتأثيراً في العالم.
المهم، أخذونا في حافلة صغيرة إلى قرية جبلية نائية لنقرأ شعراً، قرية منعزلة في الجبال العالية لتلك البلاد التي ولد فيها غابرييل غارسيا مركيز، كانت القرية هادئة في حضن الجبل تماماً، وفوقها ترتفع صخرة هائلة، في المدخل الضيق للقرية كنيسة قديمة، قرب الكنيسة نافورة مياه وتماثيل لنساء عاريات منحوتة ببراعة غريبة لا أدري كيف وصلت إلى هنا، كنيسة فقيرة ورجل دين يبدو متسامحاً لأبعد الحدود، عندما وصلنا كان هناك أولاد يقفزون على كتفيه، على مقاعد بسيطة جلس عدد من أبناء القرية، كبار في السن وثمة سيدة أربعينية جميلة تضع قبعة عريضة، كانت المرأة الأربعينية الجميلة تصغي كلما قرأ شاعر/ة بلغته وتتشاغل عن صوت المترجمة المتحمسة عندما تعاد القصائد بالإسبانية.. كانت تحتفي باللغة واهتمامها ينصب بالضبط على الإيقاع وموقعه من الصوت.
اختفت المرأة الأربعينية الجميلة بعد القراءة، بحثت عنها بعيني دون جدوى، بدا المكان مغرقاً في عزلته في غيابها وناقصاً والمقاعد المتروكة تتعثر حول تماثيل النساء الرائعات، للحظة تذكرت إصغاءها الغريب للغات الشعراء القادمين من قارات بعيدة وطبقات أصواتهم، ثم بطريقة غامضة أدركت أنها تشبه النساء المنحوتات حول تلك النافورة الساحرة.. كان عليّ أن أبحث هناك، لم يعد ممكناً العثور عليها بين التماثيل الرخامية المغسولة.
عندما عدنا إلى الحافلة التي ستعيدنا إلى المدينة كانت تقف هناك كاملة كأنها هبطت من الصخرة العظيمة التي ترتفع فوق قمة الجبل كمظلة من الحجر.. أمسكت يدي وقبلتها كما لو أنها تواصل الإصغاء إلى شعر لا تفهمه، ثم استدارت نحو القرية.. بقيت تلك القبلة المفاجئة الغريبة المدهشة معي، وكلما نظرت إلى يديّ لمعت مثل هدية لا تضاهى.

وكالة الصحافة الوطنية