محمد ياغي
جوهر المشروع الوطني الذي يناضل شعبنا من أجله منذ بداية القرن الماضي هو «الحرية». الحرية من الاستعمار البريطاني حتى منتصف القرن الماضي وبعده الحرية من الاستعمار الصهيوني الجاثم على صدورنا إلى يومنا هذا.
إذا أسقطنا «الحرية» من قاموسنا السياسي فإننا نسقط معه مشروعنا في التحرر الوطني... في حق تقرير المصير.
أياً كانت المبررات لحملة الاعتقالات التي طالت العشرات من الأكاديميين والشخصيات الاعتبارية والنشطاء السياسيين والمحررين، فإنها في نهاية المطاف تناقض جوهر ما يسعى شعبنا إليه منذ أكثر من قرن من الزمان.
نحن نحارب الاحتلال بهذه النخبة التي تم اعتقالها من شعبنا... ونحن نصمد على أرضنا لأننا نستمد الثقة والعزيمة من تضحيات وصمود وأفكار هؤلاء.
عدنان خضر مثلاً هو مدرسة في الصمود وهو أيقونة فلسطينية، وهو رمز لهذا الشعب سيتم تخليده لأجيال قادمة لأن إضرابه عن الطعام في السجون الإسرائيلية لأشهر طويلة من أجل انتزاع حريته هو ملحمة لم يسجلها إلا قله قليلة في العالم.
هو ورفاقه مفخرة لشعبنا وأمثلة تحتذى ويبنى عليها في السعي للحرية بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
اعتقال هذه النخبة الفلسطينية - وأي اعتقال سياسي آخر- له مخاطر كبيرة على المشروع الوطني أولاً وعلى تماسك المجتمع الفلسطيني ثانياً وما كان يجب أن يتم ويجب ألا يتكرر.
أحد أهم المخاطر أن عملية الاعتقال للنشطاء السياسيين تحول التركيز محلياً وإقليمياً ودولياً عن الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية إلى مسألة «الحريات» في ظل السلطة الفلسطينية.
نتائج ذلك بلا شك كارثية. أولها أن الكل الفلسطيني سينشغل في مسألة «الحريات» في ظل السلطة الفلسطينية بدلاً من الانشغال في مسألة التحرر الوطني أو «الحرية» من الاحتلال الإسرائيلي.
النقمة والغضب الذي يجد طريقه في العادة إلى الاحتلال الإسرائيلي لأنه السبب فيه، سيجد طريقه لمكان آخر.
في مجتمع القبلية ما زالت أحد أهم مكوناته الاجتماعية، فإن تغير مكان غضب ونقمة الشعب الفلسطيني أو جزء مهم منه، هو شيء علينا أن ندق ناقوس الخطر منه لأن تداعياته كبيرة على تماسك المجتمع الفلسطيني وعلى وحدته.
ثانيهما أن الاعتقالات تستعجل طرح السؤال الذي يحاول الكل الفلسطيني تأجيله وهو إذا ما كانت السلطة الفلسطينية تشكل أداة للتحرر الوطني أم أداة تعيق المشروع التحرري.
الكل يرغب في تأجيل طرح هذا السؤال بشكل علني، حتى وإن كان ذلك مطروحاً في حوارات مغلقة، لأن الذهاب إلى استنتاج «الإعاقة» سيفرض لغة وخطاباً سياسياً وتحالفات وسلوكاً مغايراً لما يتم اليوم: لغة الحوار ستنتهي.. التخوين سيبدأ.. والاقتتال على تمثيل الشعب الفلسطيني سيكون عنوان المرحلة.
فلسطينيو الشتات الذين يقع على عاتقهم إبراز قمع وبطش الاحتلال للمجتمع الدولي وحشد التأييد العالمي لقضيته سيجدون صعوبة في الحديث عن قضيتهم والدفاع عنها لأن عليهم تبرير ما تقوم به السلطة تجاه شعبها، وعليهم حينها أن يختاروا بين الصمت ونسيان القضية الفلسطينية أو إبراز الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون من الاحتلال ومن السلطة الفلسطينية في نفس الوقت. في الحالتين لا تستفيد القضية الوطنية من ذلك.
ودولياً، ستكون السلطة في موضع الدفاع عن النفس وهو ما يعني أن فريقها الدبلوماسي لن يكون في وسعه جعل محاضر اجتماعاته مركزة على ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وما هو مطلوب من المجتمع الدولي تجاه ذلك، ولكنه سيكون مضطراً للدفاع عن سلوك السلطة تجاه شعبها.
الاعتقالات السياسية من قبل السلطة وفي ظل الاحتلال وبعده يجب ألا تحدث، لكن حدوثها في ظل الاحتلال الإسرائيلي هو مؤشر كبير على عمق الأزمة السياسية التي تعاني منها السلطة وجوهرها تآكل شرعية السلطة الفلسطينية ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.
في ظل عدم تجديد هذه الشرعية لا يمكن للأزمة السياسية أن تنتهي حتى لو تم الإفراج عن المعتقلين.
هنالك حاجة ملحة للانتخابات لتجديد الشرعيات أو على الأقل إلى توافق وطني بين فصائل العمل الفلسطيني الكبيرة، وهذا يشمل توافقاً على السلطة والمنظمة والبرنامج السياسي.
إذا لم تحسم هذه المسألة بالانتخابات أو بالتوافق فإن الاعتقالات ستتكرر وستصبح «نهجاً» يهدف إلى منع كل من يعارض سياسات السلطة، وهذا سيفتح الباب أمام السؤال المؤجل والمتعلق بوظيفة السلطة ودورها في المشروع الوطني التحرري ولهذا كما ذكرنا سابقاً نتائج لا يريدها ولا يرغب أحد فيها.
القضية الفلسطينية، الحرية جوهرها ومبتغاها واتجاهها، وحتى يستمر هذا الفهم لهذه القضية محلياً وإقليمياً ودولياً، الاعتقالات يجب ألا تأتي إلا من قوة الاحتلال.
بخلاف ذلك، تسقط الفكرة ومعها المشروع الوطني.
