نبأ- وكالة الصحافة الوطنية

نبأ- وكالة الصحافة الوطنية

صباح العمات الوحيدات

بقلم/ زياد خداش

غالبا لا ننتبه لها، نظنها الأم أو الخالة أو الخدامة المتفانية أو الجارة الودودة، وحين تظهر الأم ونتأكد أنها ليست الخالة أو الخدامة أو الجارة، نتوقع فورا أنها العمة، العمة الأربعينية التي لم تتزوج والتي بعد رحيل الوالدين وتسليم البيت القديم المستأجر لأصحابه تذهب مع الشقيق الكبير لتعيش معه، وفي بيت الأخ الكبير يكون لها غرفة، غرفة صغيرة، تصبح العمة العظيمة جزءا من البيت من أسراره ومشاغله وأزماته وأفراحه ويكون لها قلقها الذي لا يعرف به أحد ودمعتها التي لا يراها سواها وسوى ستارتها، واشتياقها لامها التي كانت تقول لها في نوبات المرض: (بدي اطمن عليك يما).
باستمرار تشاهد العمة تتراكض بين المطبخ والصالون وبين الشرفة وغرف الأولاد، تكوي قميصا او تلتقط جوربا أو تصحح هيئة كرسي أو تنظف زجاج نافدة، وباستمرار تعود العمة إلى غرفتها منتصف الليل وهناك تتكشف أمامها وحدتها وكأن وحدتها امرأة أخرى تنتظرها في الغرفة تتغطى بلحاف ثقيل وحين تستعد للنوم يتكشف الغطاء، باستمرار تسأل العمة الأولاد عن الامتحانات وعن المعركة الأخيرة مع زميل الصف وعن المغص الذي خرج به الولد من البيت، وتدس خلسة في جيوب الأولاد مصروفا إضافيا خوف طارئ، تنهض العمة فجرا والكل نيام لا تترك شيئا في غير مكانه وتدخل بهدوء غرفة الأولاد لتتأكد أن العالم كله بخير.
تتحمل العمة كل منغصات البيت من نظرات غريبة غير مفهومة من قبل صاحبة البيت  وعبارات ممتعضة ذات دلالات مريبة ووشوشات تسمعها بين الأخ وبين صاحبة البيت، لكن كل شيء يهون أمام صحة وفرح الأولاد وراحة الشقيق الأكبر.
وحين يكبر الأولاد وتكبر العمة وتصير في السبعين تكون لها متعة كبرى في فرح الأولاد - الشباب، كأن تفاجئهم بمبلغ مالي ضخم كانت تدخره (من عيديات الأشقاء والأعمام ومن حصتها من ميراث الوالد) لسفر أحدهم أو لزواجه أو لدعم مشروع تجاري يقوم به.
وحين تموت العمة الكبيرة يسيطر على البيت شعور غريب، شعور لا يشبه أبدا موت الأم أو الأب، شعور يشبه انقطاعا فجائيا عن التنفس.
وحين يكبر ولد من أولاد البيت ويصير أبا وزوجا يجري هذا الحوار بينه وبين زوجته:
- كانت لي عمة لا تشبه شخصا آخر.
- ما الذي يجعلها اهم من امك مثلا؟.
- كنت اسمع صوت بكاء خفيف في غرفتها وكنت افتح الباب بسرعة لأطمئن عليها واسألها: عمتي مالك انت تمام؟ وكانت تخفي وجهها تحت اللحاف وهي تقول: لا لا يا عمتي هذا الصوت من المسلسل.
فانظر إلى التلفاز وأراه مقفلا.

وكالة الصحافة الوطنية