نبأ- وكالة الصحافة الوطنية

نبأ- وكالة الصحافة الوطنية

اقتحام مبنى الكابيتول: هل نشهد نسخته الإسرائيلية بعد انتخابات الكنيست؟

كتب: محمد هلسة

مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست الإسرائيلي الـ 26، تزداد الأجواء توتراً في "إسرائيل"، وتزداد معها الخشية من أن أمراً ما "جللاً" سيحدث. فبالإضافة إلى الخشية من تجدد اشتعال الحرب—مع إيران تحديداً—يستدعي البعض مصطلح "الكابيتول" الذي يُستخدم في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي كمثالٍ متطرف على تهديد المؤسسات الديمقراطية ورموز السلطة.

وقد استُلهمت هذه العبارة من اقتحام مبنى الكابيتول في واشنطن في 6 كانون الثاني/ يناير 2021، حين هاجمت حشود غاضبة مؤيدة لترامب مقر الكونغرس الأميركي احتجاجاً على نتيجة الانتخابات.

يَستَخدِم طرفا الصراع السياسي في "إسرائيل" التحذيرات بشأن نموذج "الكابيتول" كسلاح هجومي؛ فمن جهة، استخدمه سياسيون محسوبون على اليمين الحاكم قبل أداء الحكومة الإسرائيلية اليمين الدستورية نهاية عام 2022، خشية محاولة حشود المتظاهرين المناهضين للحكومة اقتحام مبنى الكنيست أو إغلاقه بالقوة لمنع هذه الخطوة في سياق الاحتجاجات على التعديلات القضائية. ومن الجهة الأخرى، يُسمع هذا التعبير من سياسيين وإعلاميين محسوبين على المعارضة للتحذير من سيناريو يصل فيه ناشطون من اليمين المتطرف أو متظاهرون غاضبون إلى مؤسساتٍ رسمية، كالمحكمة العليا أو قواعد "الجيش" الإسرائيلي—كما حدث في سجن "سديه تيمان"—لتقويض السلطات القانونية والقضائية.

اللافت في هذا المشهد هو كيف تتحوّل صورة واحدة مُتخيَّلة إلى سلاحٍ خطابيٍّ ذي حدّين؛ إذ يُسقط كل طرفٍ على الآخر قلقه بشأن انهيار القواعد الديمقراطية واستخدام العنف ضد المؤسسات الحكومية، ما يعكس عمق الاستقطاب وانعدام الثقة المتبادَل في المجتمع الإسرائيلي. ومن هنا، لا يعود السؤال المطروح اليوم: مَن سيفوز في هذه الانتخابات فحسب، بل ماذا سيفعل الخاسرون، بخاصة إن اعتقدوا أن تحرّكهم يُنقذ الديمقراطية ولا يُقوّضها؟

بالنسبة إلى نتنياهو، الذي تتحوّل حملته الانتخابية إلى صراع من أجل بقائه السياسي، فيما يخوض الانتخابات وقد صدرت بحقه مذكرة توقيف من المحكمة الجنائية الدولية وتجري محاكمته بتهم جنائية في "إسرائيل"، فقد يذهب إلى طمس الخط الفاصل بين أمن "الدولة" وأمنه الشخصي. فعندما يدّعي زعيم ذو تأييدٍ "واسع" تزوير الانتخابات، فمن شبه المؤكد أن يلجأ أنصاره إلى العنف أو التهديد لمنع انتقال السلطة إلى الفائزين الحقيقيين.

في الواقع، شهد المجتمع الإسرائيلي كيف أصبحت الحروب والتحريض ضد المعارضين وتصويرهم كخونة أدواتٍ في يد نظامٍ يكافح من أجل البقاء. كما استُخدمت لغة التخوين ونزع الشرعية في البرامج التلفزيونية، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الشوارع والأماكن العامة، وعلى منصة الكنيست. وقد بلغ الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي التحريضي ذروته منذ أشهر، وشهدت الشوارع اضطرابات، بينما يخيّم شبح الحرب على المجتمع.

ويبدو أن ما فعله ترامب في المجتمع الأمريكي قبل اقتحام مبنى الكابيتول لا يُقارَن بحجم التخويف الذي يُمارَس اليوم في الشارع الإسرائيلي، وإثارة الكراهية أو الازدراء والفتنة والعداء بين مختلف فئات المجتمع، ما دفع رئيس الدولة "هرتسوغ" إلى مناشدة شعبه المنقسم مراراً وتكراراً لتجنب خطاب الكراهية العنيف. وطبعاً، كل هذا يحدث قبل إعلان نتيجة الانتخابات، التي يقول كلا الطرفين إنها مصيرية وستحدد مستقبل "الدولة"، ويدّعي كلٌّ منهما كذلك أنه وحده القادر على ضمان مستقبل "إسرائيل"، بينما سيقودها الطرف الآخر إلى الخراب!

صحيح أن هذا يحدث بشكل أو بآخر في "إسرائيل" منذ سنوات، لكنه يخلق جواً متوتراً قبل لحظة بالغة الخطورة تحمل في طياتها احتمالاً كبيراً بحدوث اضطرابات اجتماعية. كما تُهيئ هذه الأجواء أجزاءً من المجتمع الإسرائيلي للنظر إلى بعضهم البعض بريبة شديدة، بما يدفعهم إلى التشكيك في الديمقراطية وتبرير العنف كأداة سياسية مشروعة. فقد أظهر استطلاع رأي أُجري بداية هذا العام ونُشر في صحيفة "زمن إسرائيل" أن 68% فقط من اليهود الإسرائيليين سيقبلون بحكومة منتخبة ديمقراطياً رغم معارضتهم سياساتها. في المقابل، يقول أكثر من ثلث اليهود الإسرائيليين إن الطابع اليهودي لـ"الدولة"، أو سيطرتها على الضفة الغربية وقطاع غزة، يجب أن يتجاوز طابعها الديمقراطي.

كما أظهر الاستطلاع أن ما يقرب من ثلث اليهود الإسرائيليين يعتقدون—أو هم على يقين—أنه لا ينبغي أن يكون للعرب الإسرائيليين الحق في التصويت؛ ففي الأسبوع الماضي، أعلن حزب الليكود مع الصهيونية الدينية عزمهما نشر نحو ألفي ناشط في مراكز الاقتراع في المدن والأحياء العربية لمراقبة نزاهة الانتخابات. وهي بلا شك خطوة عنصرية تُرسل رسالة إلى المواطنين العرب في "إسرائيل" مفادها أنه يُنظر إليهم كأعداء، وأن الإسرائيليين لا يريدونهم أن يُدلوا بأصواتهم، وقد يُؤدي وجود الناشطين اليمينيين إلى خلق توترات وإثارة اشتباكات.

ويبدو—والحال هذه—أن غالبية استطلاعات الرأي كذلك تصب الزيت على النار المشتعلة أصلاً، وهي تمنح الطرفين الوزن الانتخابي نفسه الذي لا يحسم المواجهة السياسية، فيما تتوقع بعض وسائل الإعلام الموالية لتكتل نتنياهو (مثل القناة 14) أفضلية كبيرة لائتلاف نتنياهو. وربما تمنح بذلك نفسها لاحقاً الحق في الادعاء بسرقة الانتخابات إذا ما تبيّن خطأ استطلاعات الرأي التي أجرتها وخسر نتنياهو وائتلافه الانتخابات. فهل يُعقل أن يقبل أنصار نتنياهو واليمين النتيجة، ويكذّبوا القناة التلفزيونية "الصادقة" التي شكلت وعيهم لأشهر أو سنوات مدّعيةً أنها المصدر الحصري للحقيقة في بحر من الخيانة اليسارية؟

وإن لم يكن هذا كافياً لإشعال الساحة، فإن الإخلال بالوعود المُغلّظة التي قطعتها الأحزاب بعدم التحالف مع هذا الطرف أو ذاك قد يدفع إلى أن يثور قطاع من الناخبين غضباً. فالجمود السياسي الناتج عن تعادل المعسكرين بعد الانتخابات—إن حدث—قد لا يترك أمامهما إلا التراجع عن وعودهما الانتخابية بعدم تشكيل حكومة بالتحالف مع الطرف الآخر.

كما أن تكتل التغيير يدرك أن الأمر لا يقتصر على خسارة الانتخابات فحسب، بل يتعداه إلى العجز عن التصدي لرغبة اليمين في استكمال الانقلاب القضائي وتحويل "إسرائيل" إلى "دولة" ثيوقراطية؛ فإما أنه سيحزم أمتعته ويهاجر، أو أنه سينزل إلى الشارع للتصدي لأجندة اليمين. وفي المقابل، يتهم تكتل اليمين الحاكم المعارضة بالتخطيط للإطاحة بنتنياهو في اليوم التالي للانتخابات عبر تشريع "قانون المتهم"، الذي ينص على أنه لن يُسمح لأي شخص يُحاكم بتهم جنائية بأن يتولى رئاسة الحكومة. فقد أعلن قادة أحزاب كتلة التغيير أنهم سيُفعّلون القانون بعد أداء الكنيست السادس والعشرين اليمين الدستورية، وهو ما يعني بالنسبة إلى أنصار نتنياهو مصادرة حقهم في اختيار مرشحيهم.

يُظهر المثال الأميركي لأعمال الشغب المؤيدة لترامب في مبنى الكابيتول الأميركي في 6 كانون الثاني/ يناير 2021 أن الادعاءات واسعة النطاق بالتزوير، التي تُروَّجُ وتُضخَّم، يُمكن أن تُؤدي إلى اضطرابات في الشوارع، أو ما هو أسوأ. وقد يتفاقم شعور الخيانة في معسكر مؤيدي نتنياهو إذا ما شكّلت المعارضة—رغم وعودها الانتخابية المتعددة—حكومة تعتمد، بشكل أو بآخر، على أحزاب عربية. وقد كان التحذير من هذا السيناريو محور حملة نتنياهو، التي تزعم أن غادي آيزنكوت لا يمكنه تشكيل حكومة من دون دعم الأحزاب العربية "المؤيدة للإرهاب"، بهدف نزع الشرعية عن فكرة التحالف مع هذه الأحزاب التي يُتوقع أن تحصد ما بين 13 إلى 16 مقعداً في الكنيست.

ثمة ما يدعو الإسرائيليين إلى الخوف والقلق من أن ما شهدته الولايات المتحدة في مبنى الكابيتول قد يتكرر في "إسرائيل"؛ فالقادة الشعبويون الذين ظلوا على هامش المجتمع لسنوات، ثم ذاقوا طعم السلطة والمال والنفوذ، والذين يؤمنون بأنهم يملكون وحدهم حق التحدث باسم الشعب وتمثيله، لا يمكنهم تحمل خسارة الانتخابات؛ لأن مثل هذه الخسارة تُفند ادعاءهم الأساسي وتُزعزع أركانهم. لذلك، "يجب" أن يفوزوا بكل وسيلة متاحة، وإذا ما فشلوا فمن المرجح أن يُنكروا نتائج الانتخابات بدعوى أنها سُرقت!

فهل يقبل الناخبون الإسرائيليون جميعاً بالنتائج من دون احتجاجات في الشوارع أو أعمال شغب، أو حتى اشتباكات بالأيدي، بخاصة إذا ما شعر جزءٌ منهم بالتهميش، بغض النظر عن النتيجة؟

وكالة الصحافة الوطنية