شيّع آلاف الفلسطينيين في مدينة غزة، الأحد، جثامين ورفات 100 شهيد، بينهم نحو 70 طفلا، استشهدوا بقصف إسرائيلي استهدف منازلهم في حي الزيتون خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، وانتُشلت جثامينهم ورفاتهم مؤخرا من تحت الأنقاض.
وشارك في مراسم التشييع ذوو الضحايا ووجهاء وشخصيات سياسية ومجتمعية، حيث سُجيت الجثامين والرفات في ساحة قرب أنقاض المنازل المدمرة، ووُشحت بأعلام فلسطين، قبل أن تُنقل إلى مقبرة "المعمداني" في حي الزيتون عقب أداء صلاة الجنازة عليها.
وتضمنت مراسم التشييع كلمات تأبين من جهاز الدفاع المدني، الذي نفذت طواقمه أعمال الانتشال، إلى جانب كلمات من عائلات الضحايا ووجهاء المنطقة.
وانتُشلت الجثامين والرفات خلال الأيام الماضية ضمن المرحلة الثانية من مشروع "استعادة جثامين الشهداء"، الذي أطلقه جهاز الدفاع المدني في 19 تموز/ يوليو 2026، بهدف البحث عن المفقودين تحت أنقاض المباني التي دمرتها إسرائيل.
وتعود الجثامين إلى أفراد من عائلات "ارحيم، والبلعاوي، وملكة، وقنبور، وسلمي، ومرتجى"، استشهدوا جراء قصف إسرائيلي على عدد من المنازل على رؤوس ساكنيها قبل نحو عامين ونصف.
وداع مؤجل
وحمل التشييع مشاهد إنسانية مؤلمة لذوي الضحايا، الذين حُرموا من وداع أقاربهم منذ لحظة استشهادهم لغيابهم تحت الأنقاض.
وقال محمود مرتجى، الذي فقد زوجته الحامل في شهرها التاسع وابنته البالغة من العمر 3 أعوام، إنه كان ينتظر مولوده الجديد قبل أن تصله أنباء استشهاد أفراد من عائلته جراء القصف.
وأوضح مرتجى أن رفات زوجته وابنته وجنينه بقيت تحت الركام لنحو 3 أعوام، قائلا إن انتشالها "أعاد فتح الجرح من جديد"، إذ لم يتمكن من إلقاء نظرة الوداع أو احتضان طفله الذي كان ينتظر قدومه.
وقال: "كأنهم استشهدوا بالأمس. ها هم أمامك، لكنك لا تستطيع احتضانهم ولا توديعهم، وما بقي هو جماجم وعظام".
إمكانات محدودة
وقال عضو مجلس بلدية غزة، مصطفى قزعاط، إن المشهد يجسد معاناة ضحايا بقوا أكثر من عامين ونصف تحت الركام، مشيرا إلى أن بينهم أطفالا ونساء وكبارا في السن.
وأضاف قزعاط أن استمرار غياب الإمكانات اللازمة قد يؤدي إلى تكرار المشهد في أحياء أخرى، منوّها بأن الحرب أدت إلى محو عائلات كاملة من السجل المدني.
بدوره، قال مدير الدفاع المدني في مدينة غزة، العميد رائد الدهشان، إن أعمال الانتشال كانت "عملا مضنيا وشاقا جدا" بسبب حجم الدمار ونقص المعدات الثقيلة.
وأضاف أن نحو 60 طفلا كانوا بين الضحايا الذين جرى انتشال جثامينهم ورفاتهم، مشيرا إلى أن نقص المعدات يمثل العقبة الأبرز أمام تسريع أعمال البحث والانتشال.
وكانت المرحلة الأولى من مشروع "استعادة جثامين الشهداء" قد انطلقت نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، وشهدت انتشال نحو 333 جثمانا ورفاتا من أصل 559 مفقودا تحت أنقاض 54 منزلا ومبنى.
فيما شملت المرحلة الثانية من المشروع انتشال قرابة 233 جثمانا ورفاتا من أصل 407 جثامين مفقودة تحت أنقاض 20 منزلا دُمرت على رؤوس ساكنيها خلال الحرب، بحسب تصريح سابق لمدير المشروع في الدفاع المدني، العقيد محمد أبو دان.
الوداع المؤثر لضحايا الإبادة
وكان مئات الفلسطينيين، مساء أمس السبت، قد تمكنوا من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على جثامين ورفات الشهداء المئة، الذي انتُشلوا من تحت الأنقاض.
إذ سُجّيت الجثامين والرفات على مقربة من مسجد الإمام الشافعي في حي الزيتون جنوب شرقي مدينة غزة، مغطاة بالأعلام الفلسطينية، فيما أضاء ذوو الضحايا الشموع ونثروا الورود حولها، في مشهد وداع طال انتظاره لأسر بقي أحباؤها تحت الركام لأكثر من عامين.
وفي مشهد أشبه بعودة متأخرة لأرواح غابت طويلا تحت الركام، برزت صور وأسماء لأطفال ونساء ورجال وشيوخ، ظلوا أكثر من عامين تحت الركام، قبل أن يتمكن عناصر الدفاع المدني مؤخرا من الوصول إلى رفاتهم وانتشالها في ظروف بالغة الصعوبة.
وانتشرت بين الجثامين عائلات بأكملها، فيما وقف أطفال ونساء ومسنون يبحثون بين الأسماء عن ملامح أحبائهم، أو يحدقون طويلا إلى جثمان لم يعد يحمل من صاحبه سوى ما يكفي للتعرف إليه.
الناجية الوحيدة
وبين الحاضرين وقفت مريم حسن البلعاوي أمام جثامين زوجها وأطفالها الأربعة، وهي تحاول أن تستوعب أن عائلتها التي غابت تحت الركام طويلا أصبحت أمام عينيها أخيرا.
وقالت مريم وهي تشير إلى ابنتها الوحيدة الناجية: "استُشهد زوجي وأولادي الأربعة، ولم تب لي سوى ابنتي الوحيدة الناجية، ملك".
وأضافت: "استُشهد زوجي، ومات أولادي وهم جوعى: محمود، ومجد، وحلا، ومايا، ومحمد".
وتابعت بصوت يختلط فيه الحزن بالإنهاك: "حياتنا كلها راحت. استُشهد زوجي وأولادي، ولم تبق لي حياة. ابنتي كل يوم تبكي وتريد أباها".
وبينما كانت تستعيد تفاصيل أيامها الأخيرة مع عائلتها، تذكرت وصية زوجها قبل مقتله، قائلة: "قبل أن يستشهد قال لي: إذا مت، فكفنيني بيدك وادفنيني بيدك".
ثم سكتت للحظات، قبل أن تضيف: "ماذا سأفعل؟ بيتي راح، وأولادي راحوا، وحياتي راحت. عندما انتشلوهم، شعرت براحة في قلبي، وكأن روحي خرجت معهم".
طفلة تسأل عن أبيها
لكن الحزن الأكبر، وفق مريم، لا يكمن فقط في فقدان الزوج والأبناء، بل في طفلتها ملك التي بقيت وحدها شاهدة على عائلة اختفت بأكملها.
تقول مريم: "ما ذنب ابنتي ملك الناجية الوحيدة؟ كل يوم تبكي، تريد أباها وإخوتها، وتقول لي: ما ذنبي يا أبي؟ لماذا قصفوهم؟ هم لم يفعلوا شيئا".
ورغم وجعها، تقول مريم إنها تشعر بشيء من الطمأنينة منذ انتشال جثامين أفراد عائلتها.
وتوضح: "أشعر بالطمأنينة الآن لأنني سأزفهم شهداء. في السابق كنت أذهب كل يوم إلى المكان الذي دُفنوا تحته، وأقول: يا رب، اجعله يخرج وأراه. واليوم، بعدما انتُشلوا، أشعر بقليل من الراحة".
عائلة كاملة تحت الأنقاض
وعلى مقربة من جثامين أفراد عائلة البلعاوي، وقف المسن جاد الله ارحيم يتفقد جثامين 32 من أبناء عمومته وأفراد أسرهم، الذين استُشهدوا بقصف إسرائيلي في 19 شباط/ فبراير 2024.
وقال ارحيم: "هؤلاء الشهداء أبناء عمي. ويبلغ عددهم الإجمالي 32 شخصا، بينهم أكثر من 15 طفلا ونحو 10 نساء، والقليل من الرجال".
وأوضح أن أفراد العائلة "لم يكن لهم ذنب أنهم مكثوا في بيوتهم، فتفاجأوا بالقصف، واستشهدوا جميعا في طرفة عين".
وأشار ارحيم، إلى أن ناجية وحيدة خرجت من بين أفراد الأسرة، قائلا: "لم تنجُ إلا هذه الفتاة (مشيرا إلى فتاة بجانبه) وكانت رقم 33، أي الناجية الوحيدة من المنزل".
وبقي أفراد العائلة تحت الأنقاض "نحو عامين ونصف العام أو يزيد"، قبل أن تبدأ فرق الدفاع المدني مؤخرا محاولات الوصول إليهم.
وأضاف ارحيم: "منذ أسبوع بدأ الدفاع المدني عملية الحفر لانتشال الجثامين، واستغرق الأمر وقتا طويلا بسبب قلة المعدات وصعوبة الظروف".
وشدّد على أن الأسماء الموضوعة أمامهم ليست مجرد أرقام، قائلا: "هؤلاء ليسوا أرقاما، انظروا إلى أسمائهم؛ رجال ونساء وأطفال وشيوخ، بينهم مسنات، إحداهن تجاوز عمرها 70 عاما، وهي الجدة".
وتابع مشيرا إلى رفات أقاربه: "جميع هؤلاء الشهداء لم يستطيعوا النزوح من بيوتهم لصعوبة الظروف، وحتى عندما استُشهدوا لم يستطع أحد الوصول إليهم".
تجدد الأحزان
وعن مشاعره في لحظة انتشال الجثامين والوقوف أمامها، قال ارحيم: "والله، هذا ليس فرحا، وإنما تجدد للحزن. منذ بدأ انتشالهم تجدد الحزن، وتجدد الألم، وانهمرت الدموع".
وأشار إلى طفلة من العائلة فقدت معظم أفراد أسرتها، قائلا: "كما ترون، هذه الطفلة فقدت أباها وأمها وأخواتها وإخوانها".
وأضاف: "منذ أسبوع والحزن يتجدد، واليوم تمشي هذه الطفلة بينهم وتبكي على جدها وأبيها وأمها وأخيها وأختها وجدتها، والألم يزيد".
ومع ذلك، يرى ارحيم في وداع أفراد عائلته جانبا من الكرامة التي يستحقونها بعد انتظار طويل تحت الأنقاض.
وبينما كانت الشموع تواصل إضاءة المكان، ظلّت الجثامين مسجاة في تلك الساحة، محاطة بالورود والأعلام الفلسطينية ودموع ذويها.
