بعد نحو ثلاث سنوات من تدهور العلاقات بين تركيا وإسرائيل، لجأت تل أبيب إلى الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن في خطوة اعتُبرت ردا انتقاميا على أنقرة. فالرئيس التركي أردوغان، الذي اتخذ منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023 والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة موقفا شديد اللهجة تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، بات يواجه اليوم هواجس أوسع.
ولم تعد حدة التصريحات المتبادلة بين إسرائيل وتركيا تُعد مجرد سجال سياسي عابر، بل ينظر إليها كثيرون باعتبارها انعكاسا لمخاوف متزايدة من التحولات الإقليمية التي قد تعيد رسم موازين القوى في شرق البحر المتوسط، في وقت تشهد فيه العلاقات بين القاهرة وأنقرة تقاربا متزايدا.
تصاعد التوتر بين أنقرة وتل أبيب
اتخذت إسرائيل قرارا، أُقر بالإجماع داخل الحكومة، بالاعتراف رسميا بالإبادة الجماعية للأرمن. وقال وزير الخارجية الإسرائيلي، خلال اجتماع مجلس الوزراء، إن الإبادة الأرمنية، رغم وفرة الأدلة التاريخية التي لا يمكن إنكارها، لا تزال تتعرض لحملة منظمة لإنكارها والتقليل من شأنها، تشمل إعادة كتابة التاريخ بصورة منحازة، وتقودها في المقام الأول الحكومة التركية.
وقبل يوم واحد من إعلان القرار، وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الصهيونية بأنها تشكل تهديدا لبقاء تركيا.
وقال أردوغان: إن الأيديولوجيا الإبادةية والاحتلالية والتوسعية التي تُسمى الصهيونية لا تهددني أنا أو حزبنا أو تحالفنا فحسب، بل تهدد الجميع. وأضاف: حين نواجه الصهيونية فإننا لا نفعل ذلك من أجل أنفسنا أو لأسباب شخصية، وإنما دفاعا عن بقائنا وبقاء أمتنا.
وتأتي هذه التصريحات امتدادا للمواقف الحادة التي تبناها أردوغان مرارا ضد إسرائيل وبنيامين نتنياهو منذ هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر واندلاع الحرب في غزة.
ممَّ يغضب أردوغان؟
هدد الرئيس التركي أردوغان إسرائيل مؤخرا بلهجة حادة، معتبرا أن هجماتها على سوريا ولبنان تمس الأمن القومي التركي. وحذر من أن أي اعتداء على المصالح التركية في شرق البحر المتوسط وقبرص سيقابل برد من أنقرة، مؤكدا أن تركيا لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شعرت بأن مكانتها مهددة.
وأضاف أن على بلاده إظهار قوتها حتى تتمكن من ردع إسرائيل ومنعها من مواصلة عملياتها في قطاع غزة.
وجاءت هذه التصريحات بالتوازي مع مواقف متشددة أطلقها مسؤولون أتراك، من بينها تصريحات وزير الداخلية التركي بشأن تحرير القدس. وردت إسرائيل بالقول إن زمن الإمبراطوريات قد انتهى، فيما حذر وزير شؤون الشتات الإسرائيلي، عميحاي شيكلي، من أن تل أبيب ستجد نفسها عاجلا أم آجلا في مواجهة عسكرية مع سوريا.
وتسود في تركيا حالة استياء عميقة من الأنشطة الإسرائيلية في الشرق الأوسط ومن التفوق العسكري الإسرائيلي، وهو ما تفسره بعض التقديرات الإسرائيلية بأنه نابع من شعور بالغيرة. كما يسود داخل تركيا قلق من أن تصبح مستقبلا أحد أهداف سلاح الجو الإسرائيلي.
وخلال السنوات الأخيرة، بدأت التحليلات السياسية والأمنية الإسرائيلية تنظر إلى تركيا باعتبارها تحديا استراتيجيا جديدا، بل وإيران الجديدة في المنطقة. وفي هذا السياق، ادعى الجاسوس الإسرائيلي الأميركي الشهير جوناثان بولارد أن إسرائيل، بعد ملفات إيران وغزة ولبنان، ستضطر في نهاية المطاف إلى خوض مواجهة مع كل من تركيا ومصر.
ومع ذلك، فإن هناك معوقات استراتيجية مهمة تحول دون انزلاق الطرفين إلى حرب مباشرة، وفي مقدمتها عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وعلاقاتها الوثيقة بالولايات المتحدة، إذ من غير المرجح أن تسمح واشنطن بانخراط حليفين لها في مواجهة عسكرية.
ومن جهة أخرى، ترى تركيا أن الضربات والعمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا تمثل تدخلا في منطقة تسعى أنقرة إلى توسيع نفوذها فيها. وحتى أبريل 2025 لم تكن هناك قواعد رسمية متفق عليها بين الجانبين في الساحة السورية، غير أن كليهما كان يلتزم ضمنيا بعدم تجاوز الخطوط الحمراء.
فقد ركزت تركيا نشاطها في شمال حلب وإدلب ومناطق شرق الفرات، بينما حافظت إسرائيل على وجودها في هضبة الجولان وجبل الشيخ والقنيطرة وغرب درعا، مع رفضها فرض أي قيود على تحليق طائراتها في الأجواء السورية.
السيناريوهات المحتملة
يرى مراقبون أنه إذا تصاعد التوتر إلى مستوى المواجهة العسكرية، فإن سوريا ستكون الساحة الأكثر ترجيحا للصدام.
أما السيناريو الآخر فيتمثل في تصعيد الحرب السيبرانية والاستخباراتية، عبر تكثيف التجسس الرقمي، ومواجهة الشبكات الاستخباراتية، وتوسيع الحرب الإعلامية في الفضاء الإلكتروني.
ويتمثل أسوأ السيناريوهات في احتمال تنفيذ إسرائيل عملية عسكرية في شمال سوريا تقترب من مناطق انتشار القوات التركية أو الفصائل المدعومة من أنقرة، أو وقوع حادث بحري في شرق البحر المتوسط تعتبره تركيا انتهاكا لحقوقها.
ومع ذلك، فإن الطريق إلى حرب مباشرة لا يزال طويلا ولا يملك أي من الطرفين في الوقت الراهن مبررات أو دوافع كافية لبدء مثل هذه المواجهة. ولذلك، يبقى السيناريو الأكثر ترجيحا هو استمرار الحرب الكلامية، وتبادل التهديدات والبيانات، وتصاعد المواقف الحادة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وربما اتخاذ بعض الإجراءات الدبلوماسية أو الاقتصادية.
ماذا نعرف عن الإبادة الجماعية للأرمن؟
وقعت الإبادة الجماعية للأرمن بين عامي 1915 و1923، وتشير التقديرات إلى مقتل نحو مليون ونصف المليون أرمني خلالها.
ولا تزال تركيا ترفض استخدام مصطلح الإبادة الجماعية، في حين اعترفت أكثر من ثلاثين دولة، من بينها فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة ولبنان وسوريا، بهذه الأحداث بوصفها إبادة جماعية.
وامتنعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة طوال العقود الماضية عن الاعتراف الرسمي بالإبادة الأرمنية، حفاظا إلى حد كبير على علاقاتها مع تركيا، التي كانت في وقت من الأوقات أحد أقرب الشركاء الاستراتيجيين لإسرائيل في المنطقة.
غير أنه منذ اندلاع الحرب في غزة، اتهمت أنقرة إسرائيل مرارا بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين، وهو اتهام ترفضه إسرائيل بشدة، وتحاول في المقابل توجيه الاتهامات نحو تركيا.
