بقلم/ غسان زقطان
تجولت بأسماء كثيرة، دخلت بلاداً وجالست أهلها، نوديت بحب بغير اسمي وأصغيت بحب له وهو ينطق بلغات أخرى، ولكن شيئاً من الحنين يأخذني دائماً إلى اسمين: "كريم" الذي حملته أثناء دراستي في المدرسة الحزبية لإعداد القادة في موسكو، لم أصبح قائداً، ولكن من تلك السنة في المدرسة الاستشراقية وسط غابة "تلال غوركي" التي تذكرني بالسفن الفضائية، لم يبق سوى تذكر الطريقة الخاصة التي تلفظ بها الروسيات القويات اسم كريم مع إضافة ألف ممدودة في الغالب، ومكتبة المدرسة العربية المذهلة وتسامح أمينة المكتبة الجميلة "لودا" في الاستعارة والتواجد الذي سمح لي بقراءة معظم رفوف الأدب الروسي في القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين.
في منتصف الثمانينيات حملت اسم فتى بدوي من صحراء سيئون في اليمن، كان راعياً يعيش مع والدته قرب معسكرنا الذي وصلنا إليه بعد الخروج من بيروت، حملت اسم اليمني صلاح بهائي إلى مختلف مطارات الدنيا. وفي كل مرة كان ضباط المطارات يقلبون أوراق جواز السفر، كان الفتى اليمني يقف إلى جانبي وهو يغمز بعينه قبل أن يهبط الكثبان في تلك الصحراء العجيبة تاركاً على رخام أرضيات تلك المطارات خطاً من الرمل.
في وثائق العائلة الشفاهية أنا من مواليد بيت جالا، أمي وصفت لي البيت/ العقد الذي ولدت فيه، في الوثائق الرسمية حملت "تقدير سن" وسجلت من مواليد السلط كانت تلك طريقة والدي لتدبير دخولنا المبكر إلى المدارس، أما اسمي الذي لم يتغير فكان تيمناً باسم السوري "غسان جديد" الذي اغتيل في بيروت شتاء 1957.
في جواز السفر الأردني، سجل موظف الداخلية الأردني "السلط" مع تحية متواطئة من عينيه، في جوازي الذي تفضلت علي به جمهورية اليمن الديمقراطية، كنت مواليد عدن، موظف الاحتلال الإسرائيلي لا يعرف السلط ويتجاهل بيت جالا، سجلني في الهوية من مواليد تونس وبعد جدال استبدلها بالأردن، كان ذلك مساومة، لم يكن لدي سوى صورة فوتوغرافية مشققة لتقدير سن بهت محتواه وتداخلت الخطوط فيه، المدهش فعلاً أنني أشعر بحنين لهذه المدن الثلاث، حنين لا أعرف مصدره، وشيء من الامتنان العميق، كأنني ولدت فيها جميعها.
أتجول مع مدني الثلاث وأحمل اسم قتيل لا يعرفني.
